واشنطن تتمسك بالتحقيق التجاري الأمريكي ضد بكين رغم الهدنة: ورقة ضغط أم استراتيجية طويلة الأمد؟
استمرار التحقيق التجاري الأمريكي بموجب المادة 301 يكشف عن توترات عميقة ويُجهز لرسوم جمركية محتملة على السلع الصينية.

تُواصل الولايات المتحدة الأمريكية تحقيقاتها التجارية ضد الصين، في خطوة مفاجئة تُلقي بظلالها على الهدنة الأخيرة بين البلدين. يأتي هذا الإجراء، الذي أكده كبير المفاوضين التجاريين للرئيس دونالد ترمب، ليُمهد الطريق أمام فرض رسوم جمركية جديدة محتملة على السلع الصينية، مُشيرًا إلى أن التوترات الاقتصادية لم تُحل بعد.
واشنطن تُبقي على ورقة الضغط
كان الممثل التجاري الأميركي جيمسون غرير قد أطلق تحقيقًا واسعًا يوم الجمعة الماضي، يهدف إلى تقييم مدى التزام بكين باتفاق تجاري محدود أُبرم خلال الولاية الأولى لترمب. هذه الخطوة، التي نُظر إليها كأداة ضغط محتملة قبل لقاء ترمب بنظيره الصيني شي جين بينغ، لم تتوقف رغم التفاهمات الأخيرة.
فبالرغم من اتفاق الزعيمين خلال القمة على تعليق خطط فرض رسوم جمركية إضافية وتجميد تشديد ضوابط التصدير، أكد غرير في حوار له مع شبكة “فوكس بيزنس” يوم الخميس، أن التحقيق التجاري الأمريكي “ماضٍ قدماً”. وأوضح غرير لمقدم البرنامج لاري كودلو، المستشار الاقتصادي السابق لترمب، أن “كل المشكلات في العلاقة بين الولايات المتحدة والصين لم تُحل اليوم”.
دلالات استمرار التحقيق: استراتيجية أمريكية أعمق
إن قرار واشنطن بعدم تعليق هذا التحقيق، حتى في ظل الهدنة الظاهرية، يُشير إلى استراتيجية أمريكية أعمق تتجاوز مجرد التكتيكات قصيرة المدى. يبدو أن الإدارة الأمريكية تسعى لامتلاك ورقة ضغط دائمة، تُمكّن الرئيس من الرد بفرض رسوم جمركية جديدة في حال تعثر أي اتفاق مستقبلي مع بكين، أو إذا لم تلتزم الصين بتعهداتها.
يُجرى التحقيق التجاري الأمريكي بموجب المادة 301 من قانون التجارة لعام 1974، وهي مادة تمنح الرئيس صلاحية فرض رسوم جمركية على واردات الدول التي تُمارس سياسات تجارية ضارة. هذه التحقيقات، التي تستغرق عادة عدة أشهر، تُعد أساسًا قانونيًا أقوى بكثير من الرسوم الانفرادية التي فرضها ترمب سابقًا استنادًا إلى صلاحيات الطوارئ.
تكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنظر إلى أن المحاكم الفيدرالية كانت قد اعتبرت تلك الرسوم السابقة غير قانونية، ومن المقرر أن تنظر المحكمة العليا في استئناف الإدارة الأسبوع المقبل. فإذا رفض القضاة ما يُعرف بـ”الرسوم المتبادلة” التي فرضها ترمب، سيُصبح الرئيس مُضطرًا للبحث عن سلطات قانونية بديلة أو اللجوء إلى الكونغرس لفرض رسوم جمركية جديدة على دول مثل الصين.
خلفية التوترات: تعهدات لم تُنفذ
تعود جذور التوتر إلى الاتفاق التجاري الأول لترمب مع الصين، والذي اعتمد بشكل كبير على تعهدات بكين بزيادة مشترياتها من المنتجات الزراعية الأميركية. هذا البند تحديدًا عاد ليُثير الخلافات مجددًا هذا العام، مُسلطًا الضوء على تحديات الثقة بين الطرفين.
فقد كشفت دراسة أُجريت عام 2024 بتكليف من “الرابطة الوطنية لمنتجي الذرة” و”الجمعية الأميركية لفول الصويا” أن الصين “أخفقت” في الوفاء بالتزاماتها بشراء صادرات زراعية أميركية بقيمة 80 مليار دولار خلال عامي 2020 و2021. هذا الإخفاق يُبرر جزئيًا استمرار واشنطن في نهجها الحذر.
وفي محاولة لتجاوز هذه العقبات، صرحت وزيرة الزراعة الأميركية بروك رولينز بأن الصين التزمت في الاتفاق الأخير بشراء ما لا يقل عن 87 مليون طن من فول الصويا الأميركي خلال السنوات المقبلة. ومع ذلك، يُظهر استمرار التحقيق التجاري الأمريكي أن الإدارة الأمريكية لا تعتمد فقط على التعهدات، بل تُفضل الاحتفاظ بآليات ضغط فعالة.









