فن

هوليوود والبنتاجون: حين يصبح الفيلم أداة لتسويق السياسة

جدل فيلم "بيت الديناميت" يكشف كيف تستغل وزارة الدفاع الأمريكية السينما لتبرير سباق التسلح النووي وتعزيز الإنفاق العسكري.

كاتبة ومراسلة إخبارية في منصة النيل نيوز، متخصصة في قسم الفن.

في خطوة تعكس تداخلًا عميقًا بين صناعة الترفيه والسياسة في واشنطن، أثار فيلم خيالي جديد جدلاً حقيقيًا بين أروقة البنتاجون وصناع السينما في هوليوود. لم يعد الأمر مجرد نقد فني، بل تحول إلى سجال حول السياسة الأميركية الدفاعية، مما يطرح تساؤلات حول استخدام الفن كمنصة لتمرير رسائل سياسية أو كذريعة لتبرير أجندات عسكرية.

جدل يتجاوز الشاشة

بدأت القصة مع عرض فيلم “A House Of Dynamite” على منصة نتفليكس، والذي يقدم سيناريو كارثيًا لفشل الدفاعات الأمريكية في صد صاروخ نووي. وبدلاً من تجاهل العمل باعتباره خيالاً، انخرطت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) في معركة إعلامية غير مباشرة مع صناعه، منتقدةً “عدم دقة” تصويره للقدرات العسكرية الأمريكية. يقرأ مراقبون هذا التحرك بأنه ليس مجرد دفاع عن صورة الجيش، بل استغلال مدروس للجدل للترويج لسياسات إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، التي تدعو لزيادة الإنفاق على التجارب النووية ومشروعات الدفاع الصاروخي الطموحة.

يرى محللون أن هذا الجدل المفتعل يخدم هدفًا أوسع، وهو إبقاء الرأي العام الأمريكي في حالة “تأهب نفسي” مستمر. يقول الخبير في الشؤون الاستراتيجية، الدكتور أحمد قنديل: “تستخدم المؤسسة العسكرية أحيانًا الأعمال الفنية كـ ‘فزاعة’ لتبرير ميزانيات ضخمة. عندما يصور فيلم ضعف المنظومة الدفاعية، يصبح من الأسهل إقناع دافعي الضرائب والكونغرس بضرورة تمويل برامج تسلح جديدة، حتى لو كانت فعاليتها محل شك”.

رسالة مبطنة أم دعاية عكسية؟

على الرغم من أن الفيلم يبدو في ظاهره ناقدًا لسباق التسلح النووي، فإنه يقدم رسالة ضمنية قد تخدم أهداف البنتاجون نفسها. فمن خلال تركيزه على “عدم كفاءة” أنظمة الدفاع، فإن النقد لا يتجه إلى فكرة الحرب النووية ذاتها، بل إلى ضعف الاستعداد لها. هذا التحليل يقود إلى نتيجة واحدة: الحاجة إلى المزيد من التكنولوجيا والأسلحة، وهو ما يصب مباشرة في مصلحة المجمع الصناعي العسكري الأمريكي.

هنا تكمن المفارقة؛ فالعمل الذي قد يبدو مناهضًا للحرب، يتحول في سياق النقاش العام إلى حجة لتعزيز القوة العسكرية. فالفيلم، الذي يصور كارثة افتراضية في شيكاغو، يتجاهل ببراعة الكوارث الحقيقية التي تسببت بها السياسة الأميركية في مناطق أخرى من العالم، مما يثير تساؤلات حول ازدواجية المعايير التي غالبًا ما تتبناها هوليوود في تناولها للقضايا الإنسانية.

استنتاج: السينما في خدمة السردية الوطنية

في نهاية المطاف، يتجاوز الجدل حول فيلم “A House Of Dynamite” كونه مجرد تقييم فني ليصبح دراسة حالة في كيفية تشكيل السرديات الوطنية. سواء كان ذلك بقصد من صناعه أم لا، فقد تحول الفيلم إلى أداة في معركة سياسية أكبر، حيث لا تسعى الأطراف إلى الحقيقة بقدر ما تسعى إلى ترسيخ روايتها. ويبقى العنوان “بيت من الديناميت” مجازًا دقيقًا، ليس فقط لوصف عالم على حافة حرب نووية، بل أيضًا لوصف السياسة الأميركية نفسها التي تعيش حالة من التوتر الدائم، مستعدة لاستغلال أي شرارة، حتى لو كانت خيالية، لإشعال نقاش يخدم مصالحها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *