هانيبال القذافي.. لغز العدالة المفقودة بين زنزانة لبنان وأسرار موسى الصدر

هانيبال القذافي.. لغز العدالة المفقودة بين زنزانة لبنان وأسرار موسى الصدر
في تقاطع مثير بين القانون والسياسة، والعدالة والثأر، تعود قضية هانيبال القذافي، نجل الزعيم الليبي الراحل، لتطفو على السطح مجدداً. فبعد قرابة عشر سنوات من احتجازه في لبنان، يُنقل الرجل إلى المستشفى إثر تدهور حالته الصحية، لتُفتح معه دفاتر الماضي وتعود ظلال قضية اختفاء الإمام موسى الصدر عام 1978، التي لا تزال جرحاً غائراً في الذاكرة اللبنانية.
يقف هانيبال اليوم في قلب عاصفة قانونية وإنسانية؛ فبينما يراه القضاء اللبناني صندوقاً أسوداً لمعلومات حساسة حول مصير الصدر، يعتبره فريق دفاعه رهينة سياسية تُستخدم في قضية لا صلة له بها، كونه كان طفلاً لم يتجاوز الثالثة من عمره وقت وقوعها. مشهد معقد يعكس أزمة تمتد جذورها لعقود، وتلقي بظلالها على حاضر مأزوم.
صراع بين القانون والانتقام
منذ تسليمه للسلطات اللبنانية في ديسمبر 2015، يواجه هانيبال القذافي مذكرة توقيف أصدرها المحقق العدلي القاضي زاهر حمادة، ولا يزال محتجزاً بموجبها. يرفض القضاء اللبناني أي حديث عن صفقة أو تسوية، مؤكداً أن الكلمة الفصل له وحده. وفي المقابل، يصف محاميه لوران بايون احتجاز موكله بأنه “انتقامي” و”خاضع للتسييس”، مؤكداً أنه تقدم بشكوى رسمية ضد الدولة اللبنانية لدى الأمم المتحدة.
ويضيف بايون أن موكله، الذي كان طفلاً عند اختفاء الإمام الصدر، لا يمكن أن يكون متورطاً، متهماً جهات لبنانية بتحويل العدالة إلى أداة انتقام. وفي تطور لافت، أعلن المحامي عن موافقة عائلة الصحفي عباس بدر الدين، الذي اختفى مع الصدر، على الإفراج عن هانيبال لظروفه الصحية، في خطوة إنسانية قد تفتح الباب أمام مسارات جديدة.
مناشدات دولية وظروف احتجاز قاسية
لم يقتصر الجدل على الساحة اللبنانية، بل امتد إلى المنظمات الدولية. فقد وصفت منظمة هيومان رايتس ووتش احتجازه بأنه “احتجاز تعسفي” وانتهاك صارخ للقانون الدولي، مطالبة بالإفراج الفوري عنه. التقرير الدولي سلط الضوء على الظروف القاسية التي يعيشها، والتي تشمل:
- الاحتجاز في زنزانة تحت الأرض تفتقر للضوء الطبيعي والنوافذ.
- معاناته من سوء التغذية ونقص الفيتامينات وضعف جسدي حاد.
- اضطرابات صحية ونفسية ناجمة عن العزلة الطويلة.
- آلام مزمنة في الرأس والظهر نتيجة التعذيب الذي تعرض له على يد خاطفيه قبل تسليمه للسلطات.
روايتان متناقضتان
في مواجهة التقارير الحقوقية، يقدم القضاء اللبناني رواية مختلفة تماماً. يؤكد القاضي حسن الشامي، رئيس لجنة متابعة قضية الصدر، أن هانيبال محتجز في ظروف مريحة وآمنة، تتوفر له وسائل الاتصال ويلتقي بأسرته. ويتهم الشامي جهات مقربة من آل القذافي بترويج مزاعم مغرضة لتسييس القضية.
ويكشف الشامي أن هانيبال القذافي قدّم معلومات “مهمة جداً” عند توقيفه، زاعماً أنه يعرف هوية من أمر بخطف الإمام الصدر، لكنه يرفض الكشف عنها إلا مقابل مغادرته لبنان. وبحسب الرواية الرسمية، فإن هانيبال يمثل مفتاحاً لحل اللغز، بينما ترفض السلطات في ليبيا التعاون الكامل لتسليم الملفات المطلوبة، مما يزيد القضية تعقيداً.
جذور القضية.. لغز عمره 46 عاماً
تعود القصة إلى 31 أغسطس 1978، عندما شوهد الإمام موسى الصدر، مؤسس “حركة أمل”، ورفيقاه الشيخ محمد يعقوب والصحفي عباس بدر الدين، لآخر مرة في طرابلس بليبيا، حيث كانوا في زيارة رسمية. زعمت السلطات الليبية آنذاك أنهم غادروا إلى روما، لكن القضاء الإيطالي أثبت لاحقاً أنهم لم يدخلوا أراضيه قط، ليظل مصيرهم لغزاً حتى اليوم، لغزاً أصبح هانيبال القذافي، بطريقة أو بأخرى، جزءاً من فصوله الأخيرة والمؤلمة.









