في خضم البحث الدائم عن إجابات شافية لأحد أعتى أمراض العصر، يبرز اليوم تحليل جديد قد يفك شيفرة واحدة من أعقد ألغاز الدماغ: مرض الزهايمر. تُقدم هذه الدراسة ‘نظرية موحدة’ تجمع خيوطاً لطالما بدت متفرقة، لترسم صورة جديدة لكيفية نشوء المرض، مفسرةً إياه كصراع داخلي بين بروتينين رئيسيين داخل خلايا الدماغ.
لطالما ارتبط الزهايمر، وهو الشكل الأكثر شيوعاً للخرف، بتراكم نوعين من البروتينات في الدماغ: أميلويد بيتا (amyloid-beta) وتاو (tau).
ما يميّز هذه الدراسة الجديدة أنها تجمع بين هذين البروتينين، مقدّمةً ما يصفه فريق الكيميائيين القائم عليها بـ “نظرية موحدة” يُمكنها، بحسبهم، أن تحسم بعض التضاربات الفكرية حول مسببات الزهايمر.
تُعرف ببتيدات أميلويد بيتا بأنها شظايا لزجة من بروتين أكبر، تتكدس لتُشكل لويحات في أدمغة المصابين بالزهايمر. يُعتقد أن هذه اللويحات قد تظهر قبل ظهور الأعراض السريرية بعقدين من الزمن.
في المقابل، تشير بعض الأبحاث إلى أن تشابكات تاو – وهي تكتلات من بروتينات تاو المعيبة تتكون داخل الخلايا العصبية المريضة – تُعد مؤشراً أدق للحالة الإدراكية في الزهايمر مقارنةً بلويحات أميلويد بيتا.
وظيفياً، يعمل بروتين تاو على تثبيت الأنيبيبات الدقيقة (microtubules)، التي تُشكل دعامة الخلية الداخلية. لكن في حالة الزهايمر، ينفصل تاو عن هذه الأنيبيبات، مما يؤدي إلى انسداد الخلايا واختلال وظائفها.
على الرغم من أن هذين المؤشرين الرئيسيين للزهايمر قد وُضعا تحت المجهر في السنوات الأخيرة، إلا أنهما لا يزالان محور اهتمام كبير للباحثين في علم الأعصاب. يُحاول العلماء جاهدين فك طلاسم أيّهما يظهر أولاً، وما هو تأثير كل منهما، وهل هما حقاً المسبب للمرض أم مجرد عرض من أعراضه.
“بالإضافة إلى الخرف، يتطلب تشخيص الزهايمر تراكم كل من أميلويد بيتا وتاو في الدماغ”، يوضح ريان جوليان، أستاذ الكيمياء بجامعة كاليفورنيا، ريفرسايد، والمؤلف الرئيسي للدراسة.
ويضيف جوليان، بلمسة قد تشي بتحدٍ علمي: “لكن العديد من المختبرات تركز على دور أحدهما وتتجاهل الآخر.”
للتحقق من هذه الفرضية، أجرى جوليان وزملاؤه سلسلة من دراسات ارتباط البروتينات، مركزين على كيفية تفاعل أميلويد بيتا وتاو حول الأنيبيبات الدقيقة.
بعد أن لاحظوا أن ببتيدات أميلويد بيتا تُشبه، في تسلسلها، الجزء الخاص ببروتينات تاو الذي يرتبط بالأنيبيبات الدقيقة، قام الفريق بخلط البروتينين معاً في محلول، إضافةً إلى التوبولين (tubulin) – المكون الأساسي للأنيبيبات الدقيقة.
“يُظهر عملنا أن أميلويد بيتا وتاو يتنافسان على نفس مواقع الارتباط على الأنيبيبات الدقيقة، وأن أميلويد بيتا يمكنه منع تاو من أداء وظيفته بشكل صحيح”، يؤكد جوليان.
وباستخدام أميلويد بيتا الموسوم بصبغة فلورية، تمكن الباحثون من رصد اللحظة التي “تسرق” فيها ببتيدات أميلويد بيتا مواقع الارتباط التي يستخدمها بروتين تاو عادةً.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل قام الباحثون بـ “إغراء” أميلويد بيتا ببروتين آخر شائع، هو الميوغلوبين (myoglobin)، ليكتشفوا أن ببتيدات أميلويد بيتا ما زالت تُفضل الارتباط بالأنيبيبات الدقيقة – مما يؤكد أنها لا ترتبط بأي بروتين في المحلول عشوائياً.
بناءً على هذه النتائج، يفترض الباحثون أنهم ربما وجدوا حلاً لمعضلة “البيضة والدجاجة” بين ببتيدات أميلويد بيتا وتشابكات تاو – وإن كان من المهم التذكير بأن تجاربهم أُجريت على خليط من البروتينات النقية، وأن فهم سلوك البروتينات داخل الخلايا الحية يُعد أكثر تعقيداً بكثير.
إذا كانت ببتيدات أميلويد بيتا تزيح بروتين تاو من مواقعه الطبيعية للارتباط، كما تشير هذه الدراسات المخبرية، فإن هذا قد يفسر كيف يُمكن لتاو أن يتكتل في تشابكات معقدة، وكيف تفقد الأنيبيبات الدقيقة استقرارها، مما يعطل الوظائف الأساسية للخلايا العصبية ويؤدي في النهاية إلى موتها.
يكتب جوليان وزملاؤه في ورقتهم البحثية: “التمييز الأساسي هنا يكمن في إدراك أن تاو لا يبدأ المرضية بمفرده، بل يصبح إشكالياً بعد إزاحته بواسطة أميلويد بيتا.”
كما يقترحون أن إزاحة تاو هذه، التي تُفضي إلى خلل في الأنيبيبات الدقيقة، قد تكون المصدر الرئيسي للسمية في خلايا الدماغ – وليس مجرد تراكم لويحات أميلويد بيتا أو تشابكات تاو بحد ذاتها، وإن كان لتراكمهما دور في تفاقم مشكلات الخلايا.
يخلص جوليان وزملاؤه إلى أن: “هذه الفرضية الجديدة تضع العديد من الملاحظات السابقة في سياقها الصحيح، وتحل التناقضات بين الفرضيات التقليدية للمسبب الكامن وراء مرض الزهايمر.”
يُضيف هذا البحث منظوراً جديداً لنتائج التجارب السريرية التي اختبرت علاجات الزهايمر ولم تُحقق المأمول منها، وكذلك للدراسات التي وجدت أن إزالة لويحات أميلويد بيتا لا يبدو أنها تُعيد إصلاح وظائف الدماغ الحيوية.
على المدى الطويل، إذا تمكنت دراسات أخرى من تأكيد هذه النتائج، فإن هذا العمل قد يُعيد توجيه الجهود نحو تطوير علاجات فعّالة لمرض الزهايمر، الذي يُشكل ما يصل إلى 70% من حالات الخرف ولا يزال بلا علاج شافٍ معروف.
ومن المثير للاهتمام، أن دراسات حديثة على الحيوانات أشارت إلى أن الليثيوم قد يكون له تأثير وقائي، مساعداً في تثبيت الأنيبيبات الدقيقة.
وعليه، يبدو أن تطوير علاجات لحماية هذه الأنيبيبات الدقيقة قد يُمثل مقاربة جديدة تستحق الاستكشاف، بدلاً من التركيز على استهداف تراكم البروتينات، وهو ما فعلته معظم العلاجات الحالية للزهايمر.
“الدراسة تُساعد على فهم العديد من النتائج التي كانت تبدو غير مترابطة في السابق”، يختتم جوليان.
ويضيف: “إنها تمنحنا صورة أوضح لما قد يحدث خطأً داخل الخلايا العصبية، ومن أين يُمكن أن تبدأ العلاجات الجديدة.”
نُشر هذا البحث في مجلة PNAS Nexus.
