واشنطن – لم تعد “القلوب الرقمية” مجرد خيال علمي. فريق بحثي في جامعة جونز هوبكنز يقلب موازين علاج أحد أخطر اضطرابات نبضات القلب، عبر تقنية “القرين الرقمي” التي تظهر دقة غير مسبوقة في تحديد مسار الشفاء.
الرجفان البطيني، أو تسرع القلب البطيني، قاتل صامت. يسلب حياة نحو 300 ألف أمريكي سنوياً. السبب: دائرة كهربائية قصرت في حجرات القلب السفلية، تمنع الضخ الفعال للدم. القلب يكاد يرتعش، لا ينبض. هذا التوقف المفاجئ للنبض هو المسبب الرئيسي للسكتة القلبية.
العلاج التقليدي، الاستئصال، اشبه برمي السهام في الظلام. الأطباء يمررون قساطر لحرق الأنسجة الخاطئة. ساعات تحت التخدير، بحثاً عن الهدف. هذا يعني تكراراً للإجراءات، وزراعة أجهزة تنظيم ضربات كحل احتياطي. الحل ليس مثالياً، ونتائجه تتراوح.
هنا يتدخل “القرين الرقمي”. تصور قلبك الافتراضي، نابضاً على شاشة الكمبيوتر بألوان زاهية: أزرق، أخضر، أصفر، برتقالي. هذه الألوان ليست للزينة. إنها ترسم مسار الموجة الكهربائية، تظهر المناطق السليمة، وتكشف عن الأنسجة التالفة التي تحبس النبضة في دوامة، كإعصار ميكانيكي. الدكتورة ناتاليا ترايانوفا، مهندسة الطب الحيوي في جونز هوبكنز، ترعى هذا الابتكار.
الفكرة بسيطة: “نعالج القرين قبل أن نعالج المريض”، تقول ترايانوفا. تُبنى هذه النماذج الدقيقة من خلال مسح ثلاثي الأبعاد بالرنين المغناطيسي لقلب المريض وبيانات أخرى. يتوقع “القرين الرقمي” بالضبط كيف سيتفاعل القلب الحقيقي مع علاجات مختلفة. يُمكن للأطباء استئصال الأنسجة افتراضياً، ثم “وخزها” مجدداً، لمعرفة ما إذا كانت مشكلة أخرى ستظهر.
التجربة السريرية الأولى كانت محدودة. 10 مرضى فقط، بإذن من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية. لكن النتائج، التي نشرت مؤخراً في “نيو إنغلاند جورنال أوف ميديسن”، تحمل بشرى تتجاوز حجم العينة. إنها انعكاس محتمل لتحول جذري.
فريق ترايانوفا صمم أهداف استئصال مخصصة لكل مريض. أطباء القلب اتبعوا هذه الخرائط الرقمية بدقة. لم يبحثوا. لقد استهدفوا. الدكتور جوناثان كريسبين، أخصائي القلب في هوبكنز والمؤلف الرئيسي للدراسة، يصف العملية بالدقة الجراحية.
بعد عام كامل، 8 مرضى تحرروا تماماً من اضطراب النبض. الاثنان الآخران عانيا نوبة قصيرة واحدة فقط أثناء التعافي. نسبة نجاح تقارب 80%، أعلى بكثير من 60% المعتادة للعلاج التقليدي. الأهم، أن معظمهم توقفوا عن أدوية تنظيم النبض، مما يخفف عنهم عبء الأدوية المزمنة.
هذه الدقة تعني حرق أنسجة أقل. إجراءات أقصر، أكثر أماناً وفعالية. الدكتور جيفري غولدبرغر، أخصائي القلب في جامعة ميامي، يصف الأمر بأنه تحقيق لرؤية طال انتظارها. هو نفسه جرب نماذج بدائية قبل 15 عاماً. “هذا ما تخيلناه بالضبط”، يقول غولدبرغر، مشيداً بالنتائج.
الفريق في جونز هوبكنز يخطط لتوسيع الدراسات. بدأوا بالفعل تجربة على نوع آخر أكثر شيوعاً من اضطراب النبض، الرجفان الأذيني. تقنية “القرين الرقمي” تتجاوز حدود القلب، لتصل إلى علاج السرطان أيضاً. إنه نموذج يتجاوز الطب، مستوحى من الصناعات الثقيلة والطيران، لإنقاذ الأرواح بدقة غير مسبوقة.
