عرب وعالم

نزع السلاح مقابل الاستقرار: وصفة سلام أم وقود لصراع جديد في الشرق الأوسط؟

مقاربة أمنية تعيد تعريف السلام وتضع المنطقة على حافة انفجار مؤجل

صحفية في قسم عرب وعالم بمنصة النيل نيوز،

في خضمّ التوترات المتصاعدة التي تعصف بالشرق الأوسط، تتوارى تدريجياً مفاهيم السلام التقليدية التي كانت ترتكز على إنهاء الاحتلال أو معالجة جذور الصراع العميقة. اليوم، يبرز على السطح طرح جديد، يُقدم كشرط لا غنى عنه لأي استقرار مستقبلي: نزع السلاح. هذا المفهوم، الذي يتردد صداه بقوة في الملفين الفلسطيني واللبناني، لا يمثل مجرد تغيير في الأولويات، بل يعكس تحولاً جذرياً في مقاربة القوى الإقليمية والدولية للتعامل مع الصراعات. فبدلاً من البحث عن حلول سياسية شاملة، أصبح الاستقرار غاية تُبرر نزع القوة من أطراف معينة، دون النظر بالضرورة إلى الأسباب التي دفعتها لحمل السلاح أصلاً، في محاولة لإدارة الصراع بأقل كلفة ممكنة.

في قطاع غزة، الذي لا يزال يرزح تحت وطأة الدمار والحصار، يُطرح نزع سلاح الفصائل الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة حماس، كبوابة إجبارية لأي ترتيبات سياسية مقبلة. لكن هذا الشرط، الذي يبدو للوهلة الأولى منطقياً في سياق البحث عن الهدوء، سرعان ما يكشف عن مقاربة أمنية بحتة. فالمطلوب هنا هو تجريد طرف محاصر من أدوات دفاعه، دون تقديم أي أفق سياسي واضح يضمن حقوقه أو ينهي أسباب معاناته. هذا ليس مشروع سلام يسعى لمعالجة الأسباب الجذرية للعنف، بل هو محاولة لضبط المشهد الأمني وإدارة الأزمة المزمنة بأقل كلفة ممكنة على الطرف الأقوى، مع الإبقاء على واقع سياسي واقتصادي هش لا يختلف كثيراً عن سابقه.

لا يتوقف الطرح عند حدود نزع السلاح فحسب، بل يتعداه إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي الفلسطيني برمته. فثمة مساعٍ حثيثة لدمج السلطة الفلسطينية في هذه الترتيبات، لا كشريك وطني متكافئ يمثل طموحات شعبه، بل كأداة “شرعنة” تُمنح صلاحيات إدارية وأمنية محدودة، مقابل دورها في ضبط الأرض والسكان. هذا النموذج، الذي جرى اختباره مراراً في الماضي، لم يفضِ إلا إلى تعميق الانقسام الفلسطيني وتآكل الثقة بين القيادة والشعب، بعيداً عن تحقيق الاستقرار المنشود أو إرساء أسس سلام حقيقي.

elaosboa15803محمد سعد عبد اللطيف

وعلى الجبهة اللبنانية، تتجلى ذات المقاربة الأمنية، وإن اختلفت تفاصيلها. فمع تزايد الحديث عن احتمال مواجهة عسكرية جديدة مع حزب الله، ورغم التقديرات التي تشير إلى تراجع نسبي في قدراته، يظل الخطاب السائد يركز على ضرورة تفكيك السلاح خارج سلطة الدولة. هذا التركيز يتجاهل، عن عمد أو غير عمد، البحث عن حلول جذرية لاختلالات التوازن الداخلية التي أدت إلى ظهور هذا السلاح وتجذره. الأخطر من ذلك هو أن قرار الحرب والسلم في لبنان لم يعد شأناً سيادياً خالصاً، بل بات رهيناً لتقديرات ومصالح قوى خارجية، ما يحول السيادة الوطنية إلى مجرد لافتة، ويجعل مصير الاستقرار الإقليمي معلقاً على حسابات دولية لا تعكس بالضرورة تطلعات شعوب المنطقة ومصالحها الحقيقية. لفهم أعمق لديناميكيات الصراع، يمكن الرجوع إلى تحليلات مركز الجزيرة للدراسات حول الصراعات الدولية والسلام.

تاريخ الصراعات، سواء في الشرق الأوسط أو غيره من بقاع العالم، يقدم دروساً واضحة لا تقبل الجدل: نزع السلاح لا يمكن أن يكون شرطاً مسبقاً لسلام مستدام، بل هو ثمرة طبيعية لمسار سياسي شامل وعادل يعالج المظالم الأساسية. فكلما فُرض التجريد من السلاح دون معالجة الأسباب العميقة التي دفعت الأطراف لحمله، عادت نيران الصراع لتشتعل بأشكال أشد عنفاً وتطرفاً. السلاح في هذه السياقات ليس سوى عرض من أعراض المرض، وأي محاولة لعلاج العرض بمعزل عن المرض نفسه محكوم عليها بالفشل الذريع، وتعد مجرد تأجيل للأزمة لا حل لها.

في ظل هذه المعطيات المعقدة، والتصعيد المتواصل، يطرح سؤال جوهري نفسه بقوة: هل باتت المنطقة على وشك الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة النطاق؟

على الرغم من أن التصعيد المتزامن في غزة ولبنان، والخطاب الأمني المتشدد، يضعان الإقليم على حافة انفجار دائم، إلا أنهما لا يشيران بالضرورة إلى حرب شاملة وشيكة. فالواقع يعكس حالة من توازن الردع الهش، حيث تدرك جميع الأطراف، بما فيها إسرائيل وقوى المقاومة، الكلفة الاستراتيجية الباهظة لأي انزلاق نحو مواجهة إقليمية واسعة. فإسرائيل، رغم تفوقها العسكري، تعلم أن الجبهة الشمالية لن تكون نزهة، وقد تتحول إلى استنزاف طويل الأمد. وفي المقابل، تدرك قوى المقاومة أن حرباً مفتوحة قد تستنزف قدراتها وتحد من هامش مناورتها السياسية في هذه المرحلة الحرجة. لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في قرار الحرب المتعمد بقدر ما يكمن في سوء التقدير، وتراكم الأزمات غير المحلولة، حيث تصبح كل هدنة ناقصة، وكل تسوية مؤقتة تفتقر إلى ضمانات سياسية حقيقية، وقوداً يرفع منسوب الانفجار المؤجل.

في هذا المشهد المضطرب، يظل الدور الأمريكي حاسماً، لا بصفته مجرد ضابط لإيقاع التصعيد، بل كطرف يرسم بوضوح حدود الممكن والممنوع في المنطقة. ومع ذلك، فإن هذا الدور ينطوي على تناقض صارخ: فهو يتدخل لمنع اندلاع حرب شاملة قد تهدد مصالحه المباشرة، لكنه في الوقت ذاته يترك الباب موارباً أمام ضربات محسوبة وتصعيد محدود. هذه السياسة، التي تبقي المنطقة في حالة توتر دائم، لا تسهم في حل الأزمة بقدر ما تعيد إنتاجها وتدويرها، مانعةً أي اختراق حقيقي نحو السلام.

في المحصلة، إن ما يُقدم اليوم تحت مسمى “السلام المشروط” ليس سلاماً بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل هو معادلة لضبط القوة تُفرض من طرف واحد: تقليص السلاح مقابل حقوق مؤجلة، وسيادة منقوصة، وأمن يُدار من الخارج. هذه المعادلة، وإن نجحت في توفير هدوء مؤقت، فإنها تحمل في طياتها بذور صراع جديد لا محالة. فالشعوب قد تتحمل الصبر وتتأقلم مع الظروف الصعبة، لكنها لن تقبل بالتجريد الدائم من أدوات الدفاع عن كرامتها وحقوقها دون أفق واضح للعدالة.

إن السلام الحقيقي، والمستدام، لا يُبنى على نزع السلاح فحسب، بل على نزع أسباب الصراع من جذورها. وما لم تدرك القوى الفاعلة هذه الحقيقة البديهية، فسيظل الشرق الأوسط يدور في حلقة مفرغة من الهدن الهشة، والتصعيد المتكرر، وإعادة تدوير الأزمات تحت شعار الاستقرار الزائف.

محمد سعد عبد اللطيف – كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *