نبات تبغ يتحول إلى ‘مصنع’ للمؤثرات العقلية: ثورة في علاج الصحة النفسية

حلول مستدامة لتحديات البحث في الصحة النفسية

محرر في قسم الصحة، يهتم بنقل الأخبار المتعلقة بالصحة العامة والتقارير العلمية المبسطة

في إنجاز علمي غير مسبوق، نجح باحثون في هندسة نبات تبغ لإنتاج خمسة مركبات نفسية طبيعية مؤثرة عقليًا في آن واحد. هذا الاختراق الواعد يأتي ليفتح آفاقًا جديدة أمام معالجة اضطرابات نفسية مستعصية مثل الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة، بعيدًا عن القيود التقليدية. معهد فايتسمان للعلوم في إسرائيل يقود هذا التطور، مقدمًا حلاً مبتكرًا لتحديات توفير هذه المواد البحثية.

تلك المركبات النفسية، المستخلصة عادة من مصادر طبيعية متنوعة مثل النباتات والفطريات وحتى الضفادع، باتت تُصنع الآن في بيئة واحدة خاضعة للتحكم. الاهتمام العالمي بالعلاجات المدعومة بالمؤثرات العقلية يتزايد، لكن الباحثين يواجهون تحديات لوجستية وتنظيمية معقدة في الحصول على إمدادات مستقرة وأخلاقية. الحصاد التقليدي لتلك الكائنات يثير مخاوف بيئية وأخلاقية، مع تزايد تهديدات فقدان الموائل والاستغلال المفرط. هذه الخطوة تؤسس لنموذج إنتاج مستدام، يحيد النقاش الأخلاقي عن استغلال الكائنات الحية، ويفتح مسارًا بحثيًا بلا قيود بيئية.

فريق البحث، بقيادة بولا بيرمان ويانكا هوفر، عمل على رسم خرائط دقيقة للمسارات الكيميائية الحيوية المسؤولة عن إنتاج هذه المركبات. جمعوا جينات أساسية من نباتين (سايكوتريا فيريديس وأكاسيا أكيوميناتا) تنتجان مادة DMT، ثم أضافوا إليها جينات معروفة من فطر عيش الغراب (Psilocybe cubensis) وضفدع قصب السونوران (Rhinella marina). استُخدمت إنزيمات داعمة من الأرز والجرجير لإكمال هذه “العدة الجينية” المتكاملة. كل هذا التركيب الجيني المعقد حُقن في نبات التبغ من نوع Nicotiana benthamiana.

اختيار نبات التبغ لم يكن لخواصه التقليدية، بل لكونه يشبه ‘فأر التجارب’ في عالم النباتات، لنموه السريع وسهولة التعامل معه في المختبر. النباتات المعدلة أنتجت خمسة مركبات تريبتامين نفسية: DMT، وبسيلوسين وبسيلوسيبين (من الفطريات)، وبوفوتين و5-MeO-DMT (من الضفادع). رغم أن بعض المركبات أُنتجت بكميات أقل بسبب التنافس على الموارد داخل النبات، إلا أن مستوى الإنتاج كان كافيًا لإظهار إمكانية تحويل هذا النظام إلى مصنع بيولوجي للتريبتامين، مع إمكانية تحسين كفاءته بتعديلات طفيفة.

العلماء لم يتوقفوا عند إنتاج المركبات الطبيعية. قاموا بتعديل الإنزيمات المشاركة في مسار إنتاج التريبتامين لإنشاء نسخ معدلة من هذه المركبات، غير موجودة بشكل طبيعي في النباتات. هذه المركبات الجديدة قد تحمل قيمة علاجية غير مكتشفة، وتوفر مسارًا لتصميم أدوية نفسية مخصصة لتطبيقات علاجية محددة. هذه المنصة متعددة الاستخدامات تمهد الطريق لتصنيع وتطوير إندوليثيلامينات مؤثرة عقليًا داخل النباتات. مستقبل الأدوية النفسية قد يبدأ في حقل تبغ، وليس في غابة بعيدة.

نشر البحث الذي يوثق هذا الإنجاز في مجلة Science Advances المرموقة.

Exit mobile version