تكنولوجيا

ميثوس: النموذج الذي كسر العقد الاجتماعي للإنترنت

النموذج الجديد يحقق قفزة من 1% إلى 72% في توليد الثغرات

صحفية في قسم التكنولوجيا بمنصة النيل نيوز، تتابع التطورات التقنية

125 دولاراً مقابل كل مليون رمز (Token). هذا هو الثمن المسرب لتشغيل نموذج «ميثوس» (Mythos) الجديد من أنثروبيك. الرقم يبدو فلكياً، خمسة أضعاف تكلفة «أوبوس» الذي كان يُعتبر أصلاً باهظاً. لكن التكلفة ليست هي القصة هنا، بل العجز. أنثروبيك تعاني من جوع حاد في القدرات الحوسبية، وهذا هو التفسير الوحيد لعدم طرح هذا الوحش للعامة حتى الآن.

على مدار عقدين، كان الإنترنت يقوم على صفقة ضمنية بسيطة: اضغط على أي رابط، وسيتم تشغيل كود عشوائي على جهازك، لكنك ستظل آمناً لأن هذا الكود محبوس داخل «صندوق رملي» (Sandbox). متصفحك، هاتفك، وحتى خوادم أمازون (AWS)، كلها تعتمد على هذه الجدران الافتراضية. ميثوس جاء ليهدم هذه الجدران بنسبة نجاح بلغت 72.4% في اختراق غلاف (JS shell) الخاص بمتصفح فايرفوكس. للمقارنة فقط، كان نموذج «أوبوس 4.6» يحقق أقل من 1% في نفس الاختبار قبل أشهر قليلة. القفزة ليست تطوراً، إنها انفجار.

البعض يراهن على أن ضخامة النموذج هي العائق، لكن نظرة سريعة على نماذج مثل «Gemma 4» مفتوحة المصدر -وهي أصغر بـ 50 مرة- تظهر أن الفجوة تتقلص بسرعة مخيفة. ما يفعله ميثوس اليوم سيفعله نموذج صغير يعمل على حاسوبك المحمول غداً. المسألة مسألة وقت، والرقائق الجديدة ستتكفل بجعل هذه القدرات متاحة للجميع، الأخيار والأشرار على حد سواء.

لنتحدث بصراحة عن الأمن السيبراني. نحن أمام تغيير جذري في سهولة العثور على الثغرات. إذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على الهروب من صناديق الرمل -وهي أكثر البرمجيات تأميناً في العالم- فماذا سيبقى؟ كل إعلان تراه في زاوية صفحة ويب هو كود يعمل في صندوق رملي. إذا سقط هذا الصندوق، يمكن لحملة إعلانية خبيثة واحدة أن تسيطر على ملايين الأجهزة في ساعات. الأمر يتجاوز المتصفحات؛ الحوسبة السحابية قائمة على فكرة «تقطيع» الخوادم المادية إلى خوادم افتراضية. إذا تمكن مخترق من الوصول إلى طبقة التحكم في AWS عبر ثغرة اكتشفها نموذج ذكاء اصطناعي، فنحن لا نتحدث عن تعطل موقع، بل عن سقوط بنية تحتية عالمية.

أنثروبيك تحاول الآن لعب دور المنقذ. خصصت 100 مليون دولار كائتمانات و4 ملايين دولار تبرعات لمشاريع المصدر المفتوح، مع حصر الوصول للمختصين فقط. خطة تبدو جيدة على الورق، لكنها تذكرنا بمقولة «الأمن عبر الغموض» (Security by obscurity)، وهي استراتيجية أثبتت فشلها تاريخياً. هناك الملايين من مشاريع المصدر المفتوح التي يعتمد عليها العالم ولا تملك رفاهية الوصول المبكر لهذه النماذج لإصلاح ثغراتها.

الجني خرج من الزجاجة. حتى لو قررت أنثروبيك حرق كود النموذج، سيقوم شخص آخر بتدريب نموذج مشابه. حوافز الربح (أو التخريب) عالية جداً، ونحن الآن نعيش في قلب «معضلة السجين». لقد وصلنا أخيراً إلى القدرة الخارقة للبشر في مجال واحد على الأقل، وهو ليس المجال الذي كنا نأمل أن يبدأ به الذكاء الاصطناعي.

مقالات ذات صلة