فن

مهرجان القاهرة السينمائي: سيمفونية لا تهدأ خلف الستار

في حوار هادئ، يكشف محمد طارق، المدير الفني للمهرجان، عن فلسفة العمل التي تحول الحدث السنوي إلى كيان حي يتنفس على مدار العام، حيث كل نهاية هي مجرد بداية جديدة.

كاتبة ومراسلة إخبارية في منصة النيل نيوز، متخصصة في قسم الفن.

ما إن يُسدل الستار على دورة من دورات مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، حتى تبدأ الهمسات الأولى في كواليس الدورة التالية. وكأن الأضواء لا تنطفئ حقاً. إنها عملية مستمرة، سيمفونية لا تهدأ، تبدأ نوتاتها الأولى في اليوم التالي مباشرة للختام. هذا ما يؤكده محمد طارق، المدير الفني للمهرجان، الذي يرى في كل دورة امتداداً لما قبلها، بناءً تراكمياً يستند إلى الخبرات والنجاحات، في رحلة بحث دؤوبة عن الكمال. فالدورة السادسة والأربعون لم تكن وليدة لحظتها، بل نتاج دراسة متأنية للنسخة الماضية، بهدف صقل نقاط القوة وتطوير ما يحتاج إلى لمسة إضافية من الإتقان. يقول طارق بنبرة تجمع بين الرضا والطموح: “لا توجد دورة مثالية بالكامل”، في اعتراف ضمني بأن الفن، في جوهره، هو حالة من التجدد الدائم.

هذا الشعور بالتجدد هو ما يحافظ على مكانة المهرجان الريادية عربياً وإفريقياً، وهو ما تعكسه أرقام الحضور والمشاركة والاهتمام النقدي. فالمهرجان ليس مجرد منصة لعرض الأفلام، بل هو مرآة تعكس حيوية المشهد الثقافي. وحين يغيب نجم عالمي عن السجادة الحمراء، لا يكون الأمر مجرد مسألة ميزانية، بل خيار فني مدروس. يوضح طارق أن الأولوية تبقى دائماً “للفكرة والمضمون”، فاستضافة النجوم يجب أن تخدم رؤية فنية، لا أن تكون مجرد حضور استعراضي يسرق الأضواء من السينما نفسها. إنه توازن دقيق بين البريق والجوهر، وهو ما يسعى المهرجان لتحقيقه في كل عام.

### نبض الشارع… وهمس الكواليس

في بعض الأحيان، يكون النجاح ساحقاً لدرجة أنه يخلق تحدياً. هذا ما حدث مع الفيلم المصري “بنات الباشا”. لقد كان الإقبال عليه هائلاً. مشهد جميل ومُربك في آنٍ واحد، حيث تحول شغف الجمهور إلى ضغط كبير على منظومة الحجز الإلكتروني. ورغم أن إدارة المهرجان سارعت بزيادة العروض، إلا أن الواقعة كشفت عن حاجة ملحة لآليات أكثر مرونة في المستقبل. هذا التفاعل الحي بين الجمهور والأفلام هو نبض المهرجان الحقيقي، وهو ما يمنحه روحه. وفي المقابل، كان هناك همس في الكواليس حول تأخر الإعلان عن بعض تفاصيل البرنامج. يفسر طارق ذلك بأنه حرص على الدقة، فالإعلان عن فيلم أو عضو لجنة تحكيم لا يتم إلا بعد استكمال كافة الإجراءات والتصاريح الدولية. “التأني والدقة”، كما يقول، هما بوصلة العمل لضمان مصداقية كل معلومة تصدر عن [مهرجان القاهرة السينمائي الدولي](https://www.ciff.org.eg/). أما عن النقد الإعلامي، فيراه أمراً طبيعياً وصحياً. فكل رأي موضوعي هو “فرصة للتطوير”، طالما لم يتحول إلى هجوم شخصي، ففي النهاية، السينما فن نقاشي بطبيعته.

### بوصلة فنية… ترسم ملامح الرؤية

جاء حفل الافتتاح بسيطاً وأنيقاً. لم تكن هناك عناصر إبهار صاخبة، بل تركيز هادئ على الجوهر. كان خياراً فنياً مقصوداً، كما يؤكد طارق، “أردنا حفلاً يسلط الضوء على السينما نفسها”. هذه البساطة العميقة امتدت إلى معايير اختيار المكرمين، التي تخضع لمقاييس فنية صارمة تتعلق بالتأثير الحقيقي في تاريخ السينما، بعيداً عن المجاملات العابرة. وحتى توزيع التكريمات بين حفلَي الافتتاح والختام، كان يهدف إلى منح كل فنان مساحته الخاصة، حتى لا يفقد أي تكريم رونقه في زحمة الأسماء. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي ترسم ملامح الرؤية الفنية للمهرجان، وهي رؤية تتجلى أيضاً في اختيار مخرج لرئاسة لجنة التحكيم، لما يمتلكه من “رؤية شاملة” تجمع بين الإبداع والقدرة على التقييم الفني. وفي ختام هذه الدورة، جاء اختيار فيلم “صوت هند رجب” ليكون مسك الختام، وهو قرار خضع لمعايير واتفاقات دقيقة مع صناعه، ليؤكد مرة أخرى أن كل قرار داخل المهرجان هو جزء من نسيج فني متكامل. إنها علاقة تكاملية، لا تنافسية، مع المهرجانات الأخرى، كما يوضح طارق، فالهدف الأسمى هو إثراء المشهد الثقافي العربي، وهو ما يعززه التعاون مع مهرجانات شقيقة مثل مهرجان بغداد السينمائي، لأن القيمة الحقيقية تكمن في “الجدوى الثقافية” التي يقدمها كل حدث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *