مهرجان القاهرة السينمائي: حين تتكلم السينما بصوت السياسة
غزة الحاضر الأكبر في القاهرة.. والسينما المصرية تستعيد ذاكرتها

في ليلة امتزج فيها بريق الفن بمرارة الواقع، انطلقت الدورة السادسة والأربعون من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي. لم تكن مجرد افتتاحية احتفالية، بل كانت أشبه ببيان ثقافي وسياسي، حيث طغت القضية الفلسطينية على الكلمات والفعاليات، لتؤكد أن السينما، في أوقات الأزمات، لا يمكن أن تكون محايدة.
رسالة سياسية
منذ اللحظة الأولى، بدا واضحًا أن إدارة المهرجان، برئاسة الفنان حسين فهمي، أرادت توجيه رسالة واضحة. كلمات فهمي عن دور مصر التاريخي في دعم القضية الفلسطينية لم تكن مجرد بروتوكول، بل تحديدًا لبوصلة الدورة الحالية. وهو ما أكده وزير الثقافة أحمد هنو بقوله إن «ملايين الحكايات الإنسانية تنبض من قلب المعاناة في غزة»، ليتحول المهرجان إلى منصة لسرديات غابت طويلًا عن الشاشات الكبرى.
صوت غزة
لم يقتصر الأمر على الخطابات، بل امتد إلى قلب الاختيارات الفنية. يُرجّح مراقبون أن الحضور القوي للأفلام الفلسطينية هذا العام هو قرار مقصود لتقديم رواية مضادة. أفلام مثل «كان يا ما كان في غزة» و«ضايل عنا عرض» لا تعرض قصصًا فحسب، بل تنقل حقيقة مؤلمة بلسان أصحابها. كلمات المخرج «عرب ناصر» عن نقل رواية الفلسطينيين «كما هي» تلخص جوهر هذه المشاركة، إنها السينما كفعل مقاومة وشهادة.
تكريم وذاكرة
وسط هذا الزخم، لم ينس المهرجان تكريم رموزه. المخرج الكبير محمد عبد العزيز، الحائز على جائزة الهرم الذهبي لإنجاز العمر، وجه رسالة مؤثرة للشباب بأن «الإخلاص للفن هو الطريق الحقيقي للنجاح». مشهدٌ بدا وكأنه يختزل تاريخًا طويلًا من العطاء، ويربط بين أجيال السينما المصرية. وهنا، تبدو السينما أكثر من مجرد فن، إنها إرث وهوية.
لحظة إنسانية
أما النجم خالد النبوي، فقدم لحظة إنسانية بامتياز. إهداؤه جائزة فاتن حمامة للتميز لروح والديه وزوجته وأبنائه، ثم للشعب الفلسطيني، عكس عمق الارتباط بين الشخصي والعام. عبارته «تحية للإنسان الفلسطيني الذي يكتب الحكايات بدمه» لاقت تفاعلًا واسعًا، لأنها جسدت شعورًا عربيًا مشتركًا بأن الفن لا ينفصل عن ضمير أمته.
حفظ التراث
وبعيدًا عن الأضواء، يمضي المهرجان في مشروع لا يقل أهمية، وهو ترميم كلاسيكيات السينما المصرية. حديث حسين فهمي عن ترميم 1400 فيلم ليس مجرد حفاظ على التراث، بل هو معركة حقيقية ضد النسيان للحفاظ على الهوية البصرية والثقافية لمصر. أفلام مثل «الحرام» و«المستحيل» تعود للشاشة لتذكرنا بعظمة هذا الفن. إنه جهد يستحق الإشادة حقًا.
في الختام، تبدو الدورة الحالية من مهرجان القاهرة السينمائي وكأنها تعيد تعريف دورها. لم تعد مجرد نافذة على سينما العالم، بل أصبحت مرآة تعكس هموم المنطقة وصوتًا لمن لا صوت له. بين تكريم الماضي واستشراف المستقبل، يضع المهرجان القضية الفلسطينية في صدارة المشهد، ليؤكد أن الفن السابع قادر دائمًا على أن يكون ضمير العالم الحي.









