فن

مهرجان القاهرة السينمائي: أضواء على الشاشة ورهانات على المستقبل

دورة جديدة من مهرجان القاهرة... رسائل فنية ورهان على صناعة السينما

أُسدل الستار في دار الأوبرا المصرية عن انطلاق الدورة السادسة والأربعين من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، في ليلة بدت وكأنها تحمل ما هو أعمق من بريق النجوم ووهج الكاميرات. كانت ليلة محمّلة برسائل واضحة عن هوية المهرجان، الذي يسعى جاهداً ليكون أكثر من مجرد منصة عرض، بل شريكاً حقيقياً في صون ذاكرة السينما المصرية وصناعة مستقبلها.

ستارٌ يُرفع

بدأ الحفل بعرض بصري حديث للفنان ساشو، في إشارة رمزية إلى أن المهرجان العريق لا يخشى معانقة المستقبل. لكن سرعان ما عادت الأضواء إلى رئيس المهرجان، الفنان حسين فهمي، الذي بدت كلماته بمثابة بوصلة تحدد مسار هذه الدورة. حديثه عن قدرة مصر على “صنع المعجزات” لم يكن مجرد عبارة خطابية، بل كان تأكيداً على أن الفن السابع هو أحد أهم أدوات القوة الناعمة التي تمتلكها البلاد في عصر جديد من الإبداع.

رهان التراث

لم يكتفِ فهمي بالحديث عن الحاضر، بل أطلق المبادرة الأهم ربما في تاريخ المهرجان الحديث: ترميم كنوز السينما المصرية. هذه الخطوة، التي تبدو فنية في ظاهرها، تحمل أبعاداً استراتيجية عميقة؛ فهي محاولة جادة لاستعادة الذاكرة السينمائية وحمايتها من الاندثار، وفي الوقت نفسه، هي استثمار في تراث يمكن أن يلهم أجيالاً جديدة. ففي النهاية، كما قال فهمي، السينما تمنحنا “حياة أخرى نعيشها”، وهذه الحياة تستحق أن تُحفظ.

لمسة وفاء

في لحظة إنسانية مؤثرة، توقف الزمن قليلاً في قاعة المسرح الكبير. خصص المهرجان فقرة لتحية أرواح فنانين كبار رحلوا هذا العام، من نبيل الحلفاوي وسميحة أيوب إلى لطفي لبيب. كانت لفتة وفاء ضرورية، تذكرنا بأن السينما، بكل صخبها، هي في جوهرها صناعة إنسانية قوامها مبدعون يتركون بصماتهم ويرحلون، ويبقى الأثر شاهداً على ما قدموه.

تكريم مستحق

حملت تكريمات هذا العام رسائل ملهمة. الفنان خالد النبوي، الذي تسلم جائزة فاتن حمامة للتميز، بدا متأثراً وهو يهدي الجائزة لمن زرعوا فيه الشغف. نصيحته للشباب، “كن مختلفاً ولو صرت وحيداً”، لخصت رحلة فنان راهن دوماً على الاختيار الصعب. أما المخرج الكبير محمد عبد العزيز، فجاء تكريمه بجائزة إنجاز العمر ليؤكد أن “السينما كلما أعطيتها أعطتك أكثر”، في رسالة أمل للمبدعين الجدد الذين قد يرون في الصناعة درباً محفوفاً بالمخاطر.

ما وراء الشاشة

بعيداً عن أضواء المسرح، تتجلى الأهمية الحقيقية للمهرجان. بحسب محللين، لم تعد المهرجانات الكبرى مجرد احتفاليات سنوية، بل تحولت إلى محركات أساسية في صناعة السينما. يؤكد المنتج جابي خوري هذا التحول، مشيراً إلى أن منصات الدعم التي يقدمها مهرجان القاهرة أصبحت “أحد مصادر التمويل الأساسية”، خاصة لأفلام الإنتاج المستقل التي تكافح لإيجاد طريقها إلى النور. إنها فرصة لبناء شراكات تفتح أبواب المهرجانات العالمية.

هذه الرؤية يدعمها المخرج يسري نصرالله، الذي يرى في مهرجان القاهرة “الواجهة الأهم للسينما العربية”، ليس فقط لتاريخه، بل لكونه المهرجان الوحيد في المنطقة الحاصل على الاعتماد الدولي من اتحاد المنتجين (FIAPF). هذا الاعتراف يمنحه ثقلاً دولياً ويجعله بوابة حقيقية للسينمائيين العرب نحو العالمية. وهكذا، تبدو الدورة 46 وكأنها تؤسس لمرحلة جديدة، لا تكتفي فيها بالاحتفاء بالماضي، بل تعمل بجد لصناعة المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *