مناورات بحر الصداقة: مصر وتركيا ترسمان خريطة القوة في شرق المتوسط بعد 13 عاماً من الجفاء

في خطوة تعكس دفء العلاقات وتفتح صفحة جديدة من التعاون، انطلقت فعاليات مناورات بحر الصداقة بين مصر وتركيا في قلب مياه شرق البحر المتوسط. هذه المناورات، التي تعود بعد غياب دام 13 عاماً، لا تمثل فقط تدريباً عسكرياً، بل رسالة استراتيجية واضحة من أكبر قوتين بحريتين في المنطقة، لتأكيد قدرتهما على العمل المشترك وحماية مصالحهما الحيوية.

وتستمر التدريبات البحرية المشتركة حتى السادس والعشرين من سبتمبر الجاري، بهدف أساسي هو صقل مهارات القوات، وتطوير آليات العمل المشترك، وتعزيز العلاقات العسكرية بين القاهرة وأنقرة. ويأتي هذا التحرك في وقت تزداد فيه الأهمية الاستراتيجية لمنطقة شرق المتوسط، الغنية بموارد الطاقة والتي تمثل شرياناً حيوياً للتجارة العالمية.

عمالقة البحر المتوسط.. مقارنة بين القوتين البحريتين

تجمع هذه المناورات بين عملاقين بحريين، حيث تحتل البحرية التركية المرتبة العاشرة عالمياً، بينما تأتي البحرية المصرية في المرتبة الثالثة عشرة عالمياً والأولى على المستوى العربي، وذلك وفقاً لتصنيف موقع WDMMW المتخصص في تقييم القدرات البحرية. هذا التصنيف لا يعتمد فقط على عدد القطع البحرية، بل يحلل القوة القتالية الشاملة، ونوعية الأسلحة، والتحديث المستمر، والدعم اللوجستي، وقدرات الهجوم والدفاع.

وعلى الرغم من التقارب في الترتيب العالمي، يمتلك كل أسطول نقاط قوة مميزة. فبينما تركز تركيا بشكل كبير على التصنيع المحلي الطموح وتطوير أسطولها بسواعد وخبرات وطنية، تتميز مصر بامتلاكها قطعاً بحرية فريدة من نوعها في المنطقة، مثل حاملتي المروحيات من طراز ميسترال، اللتين تمنحانها قدرة هائلة على الإسقاط الاستراتيجي للقوات.

البحرية المصرية.. ذراع مصر الطولى في المياه الزرقاء

تتولى البحرية المصرية، صاحبة الريادة عربياً، مهمة حماية سواحل تمتد لأكثر من 2000 كيلومتر على البحرين الأبيض المتوسط والأحمر، بالإضافة إلى تأمين الممر الملاحي الأهم في العالم، قناة السويس. وتضم ترسانتها العسكرية أكثر من 100 منصة بحرية متطورة، ما يجعلها قوة لا يستهان بها في المنطقة.

ووفقاً للهيئة العامة للاستعلامات المصرية، تمتلك مصر كوكبة من أحدث القطع البحرية في العالم، على رأسها الفرقاطات الإيطالية “Fincantieri Bergamini” والألمانية “Meko A-200″، والتي يتم تصنيع إحداها حالياً في ترسانة الإسكندرية، في خطوة تاريخية نحو توطين الصناعات الدفاعية. هذه الفرقاطات مزودة بأحدث أنظمة القتال والحرب المضادة للغواصات.

حاملتا المروحيات.. قوة ضاربة فريدة

تنفرد مصر إقليمياً بامتلاك حاملتي المروحيات الفرنسيتين من طراز “ميسترال”، وهما “جمال عبد الناصر” و”أنور السادات”. هاتان السفينتان العملاقتان لا تعملان كحاملات للطائرات فحسب، بل كمراكز قيادة وسيطرة متكاملة وسفن هجوم برمائي قادرة على نقل كتيبة كاملة من القوات بمعداتها، بما في ذلك الدبابات والمركبات المدرعة، مما يمنح مصر قدرة فائقة على تنفيذ عمليات خارج حدودها.

وإلى جانب ذلك، تعزز الغواصات الألمانية المتطورة من طراز “Type 209/1400” قدرات البحرية المصرية على العمل في صمت تحت الأعماق. تتميز هذه الغواصات بقدرتها على البقاء مغمورة لفترات طويلة وإطلاق الطوربيدات والصواريخ المتطورة مثل “هاربون”، مما يجعلها سلاحاً ردعياً فعالاً.

البحرية التركية.. طموح يتجسد في صناعة وطنية

على الجانب الآخر، تسعى تركيا بخطى حثيثة نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي في صناعاتها الدفاعية البحرية، مستثمرةً بقوة في بناء أسطول حديث بتصاميم محلية. وقد أعلنت أنقرة مؤخراً عن خطط لبناء 31 سفينة حربية جديدة، بما في ذلك غواصات ومدمرات وفرقاطات، وربما أول حاملة طائرات مأهولة في تاريخها.

وتضم البحرية التركية حالياً نحو 90 منصة قتالية، أبرزها سفينة الهجوم البرمائي وحاملة المسيرات “TCG Anadolu”، التي دخلت الخدمة عام 2023 لتصبح أكبر سفينة حربية في الأسطول التركي. كما برزت الفرقاطة الشبحية “إسطنبول” التي تم تسليمها مطلع العام الجاري، وهي مزودة بأنظمة قتالية وصاروخية تركية الصنع بالكامل، مثل صواريخ “ATMACA” المضادة للسفن.

وتعتبر غواصات فئة “Reis” المزودة بنظام الدفع المستقل عن الهواء (AIP) إضافة نوعية للأسطول التركي، حيث دخلت أول غواصة من هذا الطراز الخدمة العام الماضي. وبحلول عام 2029، تخطط تركيا لتشغيل 6 غواصات من هذا النوع، مما يعزز بشكل كبير قدراتها تحت الماء، بحسب ما أورده موقع Naval News المتخصص في الشؤون البحرية.

ما وراء المناورات.. ملامح تحالف استراتيجي جديد

لا يمكن قراءة مناورات بحر الصداقة بمعزل عن مسار المصالحة السياسية الشاملة بين البلدين. فهذا التقارب العسكري يمثل تتويجاً لجهود دبلوماسية استمرت لسنوات، ويفتح الباب أمام شراكة أعمق في مجالات متعددة. ويُعد التعاون العسكري المصري التركي ركيزة أساسية في هذه العلاقة الجديدة.

وخير دليل على ذلك هو الاتفاق الذي تم توقيعه في أغسطس الماضي بين الهيئة العربية للتصنيع وشركة “هافيلسان” التركية للتصنيع المشترك للطائرات المسيرة. هذه الخطوة لا تقتصر على نقل التكنولوجيا، بل تؤسس لشراكة صناعية دفاعية طويلة الأمد، تعكس الثقة المتبادلة والرغبة في بناء مستقبل مشترك يعزز أمن واستقرار منطقة شرق البحر المتوسط.

Exit mobile version