معابر غزة.. بوابات الحصار ومفاتيح الحياة اليومية

لم تعد المعابر الحدودية لقطاع غزة مجرد نقاط عبور، بل تحولت إلى مؤشر سياسي وإنساني دقيق يقيس نبض الحياة لأكثر من 2.2 مليون فلسطيني. فكل بوابة، سواء كانت مفتوحة أم مغلقة، ترسم ملامح يومهم وتحدد مصائرهم في ظل الحصار الإسرائيلي المستمر.
في شريط ساحلي لا تتجاوز مساحته 360 كيلومترًا مربعًا، أصبحت معابر غزة بمثابة شرايين الحياة التي يتدفق عبرها كل شيء تقريبًا. فمن السفر للعلاج والدراسة، إلى استيراد البضائع ولم شمل العائلات، ترتبط كافة تفاصيل الحياة اليومية بقرار فتح أو إغلاق هذه المنافذ، ما يجعل سكان القطاع رهائن لواقع سياسي معقد.
ورغم الهدوء النسبي الذي تبع فترات التصعيد العسكري، يعود ملف المعابر الحدودية ليتصدر المشهد، كاشفًا عن عمق الأزمة الإنسانية. فالسيطرة الإسرائيلية غير المباشرة، القائمة منذ الانسحاب من القطاع عام 2005، لم تقتصر على المنافذ البرية والبحرية والجوية فحسب، بل امتدت لتشمل سجلات السكان والبنية التحتية، وهو ما رسّخ وصف غزة بـ”السجن المفتوح”.
بوابات الأفراد: بين أمل السفر وقيود الحركة
تُمثل معابر الأفراد نقطة الاتصال الإنساني الوحيدة لغزة مع العالم الخارجي، حيث يمر عبرها المرضى والطلاب والدبلوماسيون، وتخضع كل حالة لشبكة معقدة من الإجراءات والتصاريح التي تتحكم في مصائر آلاف الفلسطينيين.
معبر رفح.. الرئة التي توقفت عن التنفس
يقع معبر رفح على الحدود الجنوبية مع مصر، وكان يمثل المتنفس الوحيد الذي لا يخضع للسيطرة الإسرائيلية المباشرة، وتديره السلطة الفلسطينية بالتنسيق مع القاهرة. لكن هذا الوضع تغير جذريًا في مايو 2024 مع سيطرة قوات الاحتلال عليه، ليُغلق تمامًا أمام حركة الأفراد، ما أدى إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية بشكل غير مسبوق.
ورغم الحديث عن إعادة فتحه ضمن اتفاقات وقف إطلاق النار، إلا أن الموقف الإسرائيلي لا يزال غامضًا، مع إعلانات متضاربة حول استئناف عمله وتوقيت ذلك. وفي هذا السياق، أعلن الاتحاد الأوروبي عن استعداده لإعادة تفعيل بعثته للمراقبة على المعبر، في محاولة لإيجاد حلول تضمن تدفق حركة الأفراد والمساعدات.
معبر بيت حانون (إيرز).. بوابة النخبة المغلقة
في شمال القطاع، يقع معبر بيت حانون الخاضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، والذي كان مخصصًا لفئات محدودة جدًا مثل الدبلوماسيين والصحفيين الأجانب والحالات الإنسانية الحرجة والتجار الحاصلين على تصاريح خاصة. ومنذ هجمات 7 أكتوبر 2023، تم إغلاق المعبر بشكل كامل، ليقطع آخر خيط رسمي مباشر لحركة الأفراد بين غزة وإسرائيل والضفة الغربية.
معابر البضائع: قصة الحصار الاقتصادي
لا يقل التحكم في حركة البضائع أهمية عن التحكم في حركة الأفراد، حيث تكشف قصة المعابر التجارية عن سياسة ممنهجة لتقييد اقتصاد القطاع والتحكم في مقومات صموده على مدى سنوات طويلة.
معبر كرم أبو سالم.. الشريان التجاري الوحيد
عند نقطة التقاء حدود غزة مع مصر وإسرائيل، يعمل معبر كرم أبو سالم حاليًا كمنفذ شبه وحيد لدخول المساعدات الإنسانية والسلع الأساسية مثل الغذاء والوقود والأدوية. كما يُستخدم لتصدير بعض المنتجات الزراعية، لكنه يخضع لرقابة إسرائيلية مشددة وإجراءات تفتيش معقدة تؤثر على سلاسة تدفق البضائع.
معابر أُغلقت.. ذاكرة الحصار
توجد عدة معابر أخرى تحولت إلى مجرد ذكرى في تاريخ الحصار، كل منها يروي فصلاً من فصول التضييق على قطاع غزة. معبر المنطار (كارني)، الذي كان الأكبر تجاريًا، أُغلق عام 2007. ومعبر الشجاعية (ناحل عوز)، الذي كان مخصصًا للوقود، أُغلق في 2010. أما معبر العودة (صوفا) لمواد البناء، فأُغلق في 2008، بينما يظل معبر القرارة (كيسوفيم) مخصصًا للتوغلات العسكرية الإسرائيلية فقط.









