اقتصاد

مصر والإمارات: كيف يعيد مشروع ميناء الحمراء رسم خريطة الطاقة في المتوسط؟

شراكة استراتيجية لتحويل الساحل الشمالي المصري إلى مركز عالمي لتجارة وتداول المنتجات البترولية، مستفيدة من خبرات الفجيرة وموقع مصر الجغرافي التاريخي.

تجاوزت الاستثمارات الإماراتية المباشرة في مصر حاجز الـ 28 مليار دولار، لتصبح الإمارات الشريك الاستراتيجي الأول، وهو رقم لا يعكس مجرد تدفقات مالية، بل يمثل انتقالًا نوعيًا للخبرات في قطاعات حيوية، أبرزها الطاقة. يمثل التعاون الجاري مع شركة الفجيرة العالمية للطاقة لتطوير ميناء الحمراء البترولي بالعلمين تجسيدًا دقيقًا لهذه الاستراتيجية، حيث لا يتم استيراد رأس المال فحسب، بل يتم استنساخ نموذج نجاح أثبت جدارته عالميًا. فإمارة الفجيرة ليست مجرد مستثمر، بل هي ثاني أكبر مركز في العالم لتزويد السفن بالوقود، وبالتالي فإن نقل نموذجها اللوجستي إلى ساحل البحر المتوسط المصري يعني تحويل ميناء الحمراء من مجرد نقطة لتصدير الخام المحلي إلى منصة تداول وتخزين إقليمية متكاملة. هذا التطور يبني على دور مصر التاريخي كشريان حيوي للطاقة العالمية، الذي بدأ مع افتتاح قناة السويس عام 1869 واستمر مع خط أنابيب سوميد في السبعينيات، لكنه الآن ينتقل من دور “الممر” إلى دور “السوق”.

إن هذا التحول يكتسب أهميته من خلال تحليل جغرافي-اقتصادي بسيط؛ فبينما تمتلك الإمارات الخبرة ورأس المال، تمتلك مصر الموقع المطل على أسواق الاستهلاك الأوروبية المباشرة. وعليه، فإن إقامة منطقة لوجستية في العلمين يمنح الطاقة القادمة من الخليج نقطة وصول متقدمة وأكثر مرونة إلى أوروبا، مما يقلل من الاعتماد على الممرات الملاحية المزدحمة ويوفر بديلًا استراتيجيًا في أوقات الاضطرابات. هذا المشروع يعزز بشكل مباشر البنية التحتية القائمة، مما يؤدي إلى زيادة القيمة المضافة للنفط الخام المنتج محليًا وغاز شرق المتوسط، بدلاً من تصديره كمادة أولية. هل يمكن أن يصبح ميناء الحمراء “فجيرة المتوسط” الجديدة؟ الإمكانيات قائمة، والخطوات تتسارع.

### **1. من الاستكشاف إلى التخزين: تكامل استثماري رأسي**

لا يمكن فهم أهمية مشروع ميناء الحمراء بمعزل عن السياق الأوسع للاستثمارات الإماراتية في قطاع الطاقة المصري، حيث تعمل شركات مثل “أركيوس”، و”مبادلة”، و”دراجون أويل”، و”دانة غاز” بالفعل في عمليات البحث والاستكشاف والإنتاج. هذا الحضور القوي في مرحلة المنبع (Upstream) يجعل من تطوير مركز لوجستي في المصب (Downstream) خطوة منطقية وحتمية، فهي تحقق تكاملًا رأسيًا يضمن للشركات الإماراتية السيطرة على سلسلة القيمة بأكملها، من استخراج النفط والغاز وحتى تخزينه وتداوله وبيعه في الأسواق العالمية. اختيار شركة “أركيوس” لمصر كمركز انطلاق لعملياتها في شرق المتوسط لم يكن مصادفة، بل هو نتيجة مباشرة لتحسن مناخ الاستثمار وتوفر بنية تحتية واعدة يمكن البناء عليها، وهو ما يمثله مشروع ميناء الحمراء. هذا التكامل يخلق اقتصاديات الحجم (Economies of Scale)، ويقلل من التكاليف اللوجستية، ويزيد من القدرة التنافسية للشركات العاملة، مما يعود بالنفع المباشر على الاقتصاد المصري من خلال زيادة العوائد وجذب المزيد من الاستثمارات النوعية.

### **2. 4.7 مليون برميل: تعزيز القدرة التنافسية لمصر**

يستهدف المشروع في مراحله الأولى الوصول إلى سعة تخزينية تبلغ حوالي 4.7 مليون برميل من المنتجات البترولية والنفط الخام، وهو رقم يحمل دلالات اقتصادية عميقة. هذه السعة لا تخدم فقط احتياجات التصدير المصرية أو استثمارات الشركات الإماراتية، بل تحول مصر إلى لاعب رئيسي في سوق تخزين وتداول الطاقة الإقليمي، منافسةً بذلك موانئ أخرى في البحر المتوسط. إن توفير سعات تخزين ضخمة يمنح السوق مرونة أكبر، ويسمح للمنتجين والتجار بالاستفادة من تقلبات الأسعار (Contango and Backwardation)، وهي ميزة أساسية لأي مركز تداول ناجح. وفقًا لـ [منظمة أوابك](https://www.oapecorg.org/Home)، فإن تعزيز البنية التحتية للتخزين والتصدير هو أحد أهم عوامل تحويل الموارد المكتشفة إلى ثروة حقيقية. وبالتالي، فإن هذا المشروع لا يضيف مجرد صهاريج تخزين، بل يضيف لمصر أداة استراتيجية تمكنها من التأثير في ديناميكيات أسواق الطاقة في شرق المتوسط، وهو ما يمثل جوهر التحول إلى مركز إقليمي للطاقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *