عرب وعالم

مذبحة الصحافة في فلسطين: “أغسطس الأسود” يسجل رقماً قياسياً لشهداء الكلمة بأيدي الاحتلال

في شهادة دامغة على حجم الجرائم التي تُرتكب بحق الحقيقة، كشفت نقابة الصحفيين الفلسطينيين عن أرقام مفزعة تجعل من شهر أغسطس الماضي وصمة عار جديدة في سجل الاحتلال الإسرائيلي. فقد شهد هذا الشهر استشهاد 15 صحفيًا، من بينهم ثلاث صحفيات، على يد قوات الاحتلال، ليُسجل بذلك كأكثر الشهور دموية للصحافة الفلسطينية في تاريخ الصراع.

تقرير صادم: انتهاكات غير مسبوقة بحق الكلمة الحرة

لم تكن الأرقام مجرد إحصائيات، بل هي قصص دماء وأرواح دفعت ثمن الحقيقة. ففي تقرير مفصل، وثّقت لجنة الحريات التابعة لنقابة الصحفيين الفلسطينيين سلسلة من الانتهاكات الإسرائيلية غير المسبوقة بحق الصحفيين في الضفة الغربية وقطاع غزة. وصل إجمالي الجرائم والانتهاكات الموثقة خلال أغسطس 2025 إلى 86 واقعة، مخلفةً حصيلة ثقيلة من الشهداء والجرحى والمعتقلين.

التقرير، الذي أوردته وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا)، أشار إلى أن هذه الحملة القمعية لم تقتصر على الاستهداف المباشر للصحفيين، بل امتدت لتشمل منازلهم والمقرات الإعلامية، إضافة إلى عمليات تحريض ممنهج تهدف إلى إسكات الصوت الفلسطيني. هذه السياسة العدوانية تؤكد سعي الاحتلال المستمر لطمس الحقائق وتغييب القضية.

ضحايا الواجب: شهداء وإصابات وإعاقات دائمة

سجل الشهر المأساوي استشهاد 15 صحفيًا وصحفية، بينهم ثلاث صحفيات، في جريمة لا تغتفر بحق مهنة الصحافة. لم تتوقف مأساة أغسطس عند هذا الحد، بل أصيب تسعة آخرون بجروح متفاوتة الخطورة، بعضها أفضى إلى عواقب وخيمة كبتر الأطراف أو الشلل الدائم، تاركةً بصماتها القاسية على حياة هؤلاء الأبطال.

ومن أبرز فصول هذه المجزرة بحق الصحافة الفلسطينية، يوم 10 أغسطس الذي شهد استشهاد ستة صحفيين دفعة واحدة بالقرب من مستشفى “الشفاء”، في مشهد يدمي القلوب. وتكرر المشهد المأساوي في يوم 25 من الشهر ذاته، حيث ارتقى خمسة صحفيين وجرح أربعة آخرون داخل مستشفى ناصر بخان يونس، في استهداف مباشر للمرافق الطبية والطواقم الإعلامية.

كما أصيب ما لا يقل عن ستة صحفيين بإصابات دامية نتيجة شظايا الصواريخ والرصاص الحي، معظمها نجم عن القصف المباشر الذي لا يفرق بين مدني وصحفي. بعض هذه الإصابات تحولت إلى إعاقات دائمة، مثل بتر القدم والشلل الكامل وإصابات خطيرة في العمود الفقري، مما يلقي بظلاله على مستقبل هؤلاء الشجعان.

امتداد الجرائم: عائلات مستهدفة وقمع منهجي

الاعتداءات لم تقتصر على الصحفيين أنفسهم، بل طالت عائلاتهم أيضًا، في محاولة لكسر إرادتهم وتخويفهم. فقد استشهد ثلاثة من أقارب الصحفيين، ودُمِّرت أربعة منازل لعائلاتهم، في سياسة عقاب جماعي واضحة. هذه الإجراءات تؤكد استراتيجية الاحتلال لتوسيع دائرة القمع وإرهاب كل من يحمل الكاميرا أو القلم.

التقرير رصد أيضاً ثلاث حالات اعتقال تعسفية، وست وقائع اعتداء مباشر على الطواقم الصحفية بالضرب المبرح، في انتهاك صارخ لكل الأعراف الدولية. كما تعرض 33 صحفيًا للمنع من التغطية الصحفية في مناطق مختلفة بالضفة الغربية، منها المغير وبيت دجن ورام الله ونابلس، بالإضافة إلى ثلاث حالات اعتداء من قبل المستوطنين المتطرفين.

تحريض على القتل: جريمة مكتملة الأركان

وفي سابقة خطيرة، وثق التقرير ثلاث حالات تحريض مباشر على القتل من قبل صحفيين إسرائيليين وصفحات رسمية على وسائل التواصل الاجتماعي. هذا التحريض لم يكن مجرد كلام، بل أدى فعلياً إلى استشهاد عدد من الصحفيين في قطاع غزة، في دليل دامغ على تورط أطراف إسرائيلية في جرائم الحرب.

دعوات عاجلة لحماية “حراس الحقيقة”

من جانبه، أكد الأستاذ محمد اللحام، رئيس لجنة الحريات بالنقابة، أن استهداف الصحافة الفلسطينية تحول إلى سياسة ممنهجة تهدف إلى تغييب ليس الحقيقة فحسب، بل وتغييب القضية الفلسطينية برمتها وطمس كل ما يتعلق بها. وأضاف أن هذه الجرائم تهدف إلى إفراغ المشهد من شهود العيان، ليمرر الاحتلال روايته المزيفة.

ختاماً، جددت نقابة الصحفيين الفلسطينيين دعوتها الموجهة إلى المؤسسات الدولية والحقوقية كافة، للتحرك العاجل والفوري لتوفير الحماية للصحفيين الفلسطينيين. كما شددت على ضرورة محاسبة مرتكبي الجرائم بحق الصحفيين وتقديمهم للعدالة الدولية، لضمان عدم إفلاتهم من العقاب ولإيقاف هذه الممارسات الوحشية التي تستهدف الكلمة الحرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *