فن

محمد عبد العزيز في القاهرة السينمائي: اعترافات صانع البهجة عن الكوميديا الجادة

أسرار شراكة عادل إمام وفلسفة الضحك.. محمد عبد العزيز يروي مسيرته

كاتب ومراسل إخباري في منصة النيل نيوز، متخصص في اخبار الفن والثقافة.

في أمسية بدت وكأنها رحلة عبر زمن السينما المصرية الذهبي، تحولت ندوة تكريم المخرج الكبير محمد عبد العزيز في مهرجان القاهرة السينمائي إلى جلسة اعترافات فنية وإنسانية عميقة. لم تكن مجرد احتفاء بجائزة إنجاز العمر، بل كانت شهادة حية على تاريخ جيل بأكمله، جيل صنع البهجة من رحم قضايا المجتمع الشائكة.

تكريم مستحق

بدأ كل شيء بمكالمة من الفنان حسين فهمي، رفيق الدرب منذ أيام المعهد العالي للسينما. هكذا علم عبد العزيز بتكريمه، الذي وصفه فهمي بأنه جاء “متأخراً”. لكن بالنسبة لعبد العزيز، كان التقدير تتويجاً لمسيرة ورث فيها ثقافة عمالقة مثل صلاح أبو سيف ويوسف شاهين، وهي مسيرة لم تقتصر على السينما، بل امتدت لتشمل الدراما والمسرح. في لحظة تواضع نادرة، قال: “لا أستحق كل هذه الحفاوة”، لكن تصفيق الحضور كان رداً كافياً.

فلسفة الضحك

المفارقة أن “عرّاب الكوميديا”، كما يصفه النقاد، لم يختر هذا الطريق بنفسه. “الكوميديا جاءت لي.. لم أذهب إليها”، هكذا كشف عبد العزيز، معيداً الفضل لنصيحة من المخرج حلمي حليم. بعد نجاح فيلمه “في الصيف لازم نحب”، أدرك أن الكوميديا ليست مجرد “هزار”، بل هي فن جاد وملتصق بالناس، وأنها الأداة الأكثر عمقاً لنقد المجتمع. ومن هنا، تبلورت فلسفته التي لخصها بعبارة عبقرية: “اضحك بدل ما تموت”.

يُعد فيلم “انتبهوا أيها السادة” حجر الزاوية في هذا الفكر، حيث استلهم فكرته من الواقع ليقدم كوميديا سوداء تستشرف بمرارة تحولات المجتمع. يرى محللون أن هذا الفيلم تحديداً رسّخ مكانة عبد العزيز كمخرج لا يكتفي بإضحاك الجمهور، بل يدفعه للتفكير في انحرافات سلوكية كانت بمثابة جرس إنذار مبكر.

ثنائية الزعيم

لا يمكن الحديث عن مسيرة محمد عبد العزيز دون ذكر شراكته الأسطورية مع “الزعيم” عادل إمام، التي أثمرت 18 فيلماً شكّلت وجدان أجيال. بدأت العلاقة بترشيح بسيط، وتطورت إلى شراكة فنية غيرت خريطة الإيرادات والسينما الكوميدية. وكشف عبد العزيز عن كواليس طريفة تظهر حجم الثقة المتبادلة، حين أجبر عادل إمام على تصوير “البعض يذهب للمأذون مرتين” رغم رفض الأخير للسيناريو، ليتحول الفيلم لاحقاً إلى أيقونة سينمائية.

هذه الشراكة لم تكن محصورة في الكوميديا، بل انتقلت بجرأة إلى التراجيديا في أفلام مثل “قاتل ما قتلش حد”، مما يثبت أنها كانت علاقة إبداعية ناضجة، وليست مجرد وصفة للنجاح التجاري. إنه فصل من أخصب فترات السينما المصرية، بكل ما فيه من مغامرة فنية ونجاح جماهيري.

صانع النجوم

لم يكن عبد العزيز مخرجاً فقط، بل كان مكتشفاً للمواهب وصانعاً للفرص. شهادة الفنانة إلهام شاهين كانت دليلاً قاطعاً، حيث أكدت أنه “صاحب أيادٍ بيضاء” على مسيرتها، فهو من اكتشف جانبها الكوميدي والاستعراضي في مسرحية “بهلول في إسطنبول”. وبالمثل، روت الفنانة لبلبة كيف منحها أول بطولة مطلقة في “خلي بالك من جيرانك”، وهو الفيلم الذي شكل نقلة نوعية في حياتها الفنية، وعلمها أن الكوميديا تكمن في الأداء الطبيعي لا المبالغة.

في ختام الندوة، التي بدت كشريط سينمائي سريع ومكثف، يبقى الأثر الأكبر لمحمد عبد العزيز ليس فقط في أفلامه، بل في إيمانه بأن الكوميديا هي مرآة المجتمع الأكثر صدقاً. لقد أثبت أن الضحك قد يكون أحياناً السلاح الوحيد لمواجهة واقع مرير، وهي رسالة تبدو اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *