عرب وعالم

مبادرة ترامب لإنهاء الحرب في غزة: وعود بالسلام الأبدي وسط ألغام سياسية

بين وعود “السلام الأبدي” التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتعقيدات الواقع المرير في الحرب في غزة، تبرز خطة جديدة لإنهاء الصراع. فهل تحمل هذه المبادرة، التي أُعلنت في البيت الأبيض بحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بذور حل حقيقي أم أنها مجرد مناورة سياسية جديدة في رمال الشرق الأوسط المتحركة؟

إطار غامض بآمال عريضة

في خطاب اتسم بنبرة تاريخية، وصف ترامب خطته بأنها قد تمثل “واحدًا من أعظم الأيام في تاريخ الحضارة”. لكن خلف هذه العبارات الرنانة، تكمن وثيقة من 20 بندًا تمثل إطارًا للمفاوضات أكثر من كونها اتفاقًا نهائيًا. صاغ هذه الخطة مبعوثه ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر، بعد مشاورات مكثفة مع إسرائيل ودول أوروبية وعربية، على رأسها مصر وقطر، في محاولة لرأب صدع دبلوماسي استمر لأشهر.

تستعير المبادرة ملامحها من مقترحات سابقة، كالخطة السعودية-الفرنسية، وجهود رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، الذي من المقرر أن يشارك في “مجلس السلام” المقترح. يتصور الإطار الأمريكي وقفًا للقتال، وانسحابًا إسرائيليًا محدودًا، مقابل إفراج حركة حماس عن كافة الأسرى، يليه إطلاق سراح مئات المعتقلين الفلسطينيين.

ماذا عن مستقبل غزة؟

تقترح الخطة إدارة تكنوقراطية محلية لتسيير الحياة اليومية في غزة، تحت إشراف “مجلس سلام” يتمركز في مصر. كما تتضمن بنودًا مثيرة للجدل، كمنح عفو لأعضاء حماس الذين يتخلون عن السلاح، ونفي الآخرين، وتولي “قوة استقرار” دولية بقيادة أمريكية عربية مهمة نزع سلاح الفصائل. أما قضية الدولة الفلسطينية، فتأتي بصيغة فضفاضة تتحدث عن “مسار ذي مصداقية نحو تقرير المصير”، وهو ما يراه البعض خطوة للأمام، بينما يعتبره آخرون مجرد وعد غامض.

مواقف متباينة: بين قبول نتنياهو الحذر وترقب حماس

على الفور، أعلن بنيامين نتنياهو، الذي وقف بجانب ترامب، قبول إسرائيل لمبادئ الخطة، مؤكدًا أنها تتماشى مع أهدافه الرئيسية: القضاء على قدرات حماس العسكرية ومنع قيام دولة فلسطينية. لكن هذا القبول يواجه اختبارًا حقيقيًا داخل ائتلافه اليميني المتشدد، الذي سارع أحد قادته لرفض بعض البنود، مما يضع نتنياهو أمام ضغط سياسي داخلي هائل قد يدفعه، كما يتهمه معارضوه، إلى تقويض أي صفقة تهدد بقاءه السياسي.

في المقابل، لم يأتِ رد حركة حماس الرسمي بعد، لكن المؤشرات الأولية لا توحي بالتفاؤل. ففي تصريحات سابقة، لمّح أحد قادتها إلى أن أي مقترح لا يضمن انسحابًا إسرائيليًا كاملاً من غزة هو أمر مرفوض. ويبدو أن الحركة قد تتبنى استراتيجية “نعم، ولكن…”، أي القبول المبدئي مع طلب توضيحات وشروط قد تُفرغ الخطة من مضمونها، لتعود المفاوضات إلى المربع صفر.

وراء الكواليس: ضغوط دولية واعتذار لقطر

لم يأتِ الإعلان عن خطة ترامب من فراغ، بل سبقه حراك دبلوماسي مكثف. فقد أمضت دول أوروبية وعربية، بقيادة فرنسا والسعودية، الصيف في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، مدفوعة بالقلق من خروج الصراع عن السيطرة والعزلة الدولية المتزايدة لإسرائيل، خاصة مع صدور مذكرة توقيف بحق نتنياهو من المحكمة الجنائية الدولية. وفي تطور لافت، كشفت مصادر أن ترامب دفع نتنياهو للاعتذار لقطر عن الغارة التي استهدفت قيادة حماس في الدوحة، مما يمهد لعودة الدوحة بقوة إلى طاولة الوساطة.

بالتزامن مع هذه الجهود، كثفت إسرائيل قصفها على مدينة غزة، في خطوة تبدو أنها تهدف للضغط على حماس عسكريًا لقبول الصفقة. ورغم أن السلام في الشرق الأوسط يبدو هدفًا بعيد المنال، فإن هذه المبادرة الأمريكية تعيد الزخم للمفاوضات، لكنها تظل بحاجة إلى أسابيع، وربما أشهر، من العمل الشاق لتحويل بنودها الغامضة إلى واقع ملموس على الأرض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *