فن

مارسيل دوشامب: أعمال فنان الطليعة في متحف نيويورك

مفارقة الاحتفاء بفنان كره المعارض

كاتبة ومراسلة إخبارية في منصة النيل نيوز، متخصصة في قسم الفن.

معرض يثير الغثيان، هكذا وصف مارسيل دوشامب معارض الرسم والنحت. لكن المفارقة تتجلى اليوم في نيويورك، حيث يستعد متحف الفن الحديث (MoMA) لاستقبال أكثر من مئتي عمل لهذا الفنان الفرنسي-الأمريكي، في استعراض شامل لمسيرة امتدت ستة عقود، ويُقال إنها تلخص حكاية الفن في القرن العشرين.

من بين كنوزه المعروضة، تبرز “الدوارة رقم 1” (Rotorelief no. 1)، وهي طباعة حجرية تعود لعام 1935، على قرص ورقي بقطر حوالي 20 سم. عند تدويرها، تخلق وهمًا بصريًا ثلاثي الأبعاد، يكشف عن شغفه باللعب على الإدراك البصري وتحدي حدود اللوحة التقليدية. هذه القطع، التي عرضها لأول مرة في معرض للمخترعين بباريس عام 1935، تعود لتضيء قاعات MoMA اليوم.

في عام 1917، هزّ “نافورة” دوشامب الأوساط الفنية، وهو مبولة خزفية معاد توظيفها بوقاحة، رُفضت من معرض فني كبير في نيويورك. تلك اللحظة رسخت اسمه، وجعلته أيقونة لمفهوم “الجاهز” (Readymade) في النحت، حيث يمكن لشيء يومي أن يصبح عملًا فنيًا بمجرد إعلان الفنان ذلك. المعرض الحالي يضم نسخة طبق الأصل من “النافورة” صنعت عام 1968.

لم يلتزم دوشامب بمنطقة فنية واحدة طوال مسيرته الممتدة. تجول بين التكعيبية والمستقبلية في لوحاته، ورسومات كاريكاتيرية للحياة الباريسية، وأفلام الطليعة، وصولًا إلى تعاوناته الفوتوغرافية مع فنانين مثل مان راي. رؤيته للفن كانت أوسع من أن تُحصر في قالب، فـ “اللوحة لا يصنعها الفنان، بل من ينظر إليها”، حسب تعبيره. هذه الكلمات تحمل في طياتها تحديًا لكل قداسة مرتبطة بالعمل الفني وخالقه، وتدفع المتلقي ليصبح جزءًا فاعلًا في عملية الخلق.

المعرض، الذي يستمر من 12 أبريل حتى 22 أغسطس 2026 في نيويورك، لا يقدم استعراضًا تقليديًا. بل يجمع أعمالًا تشكل رواية للفن في القرن العشرين، وهي فترة شهدت تحولات جذرية في مفهوم الفن نفسه. دوشامب، الذي قال “لا يعرف الرسام نفسه أو ما يفعله”، كان يدرك أن تاريخه الفني لن يكون بيده، بل بيد العيون التي تتأمله وتفسره وتمنحه المعنى، حتى لو كان هو نفسه قد تملكه الغثيان من فكرة المعرض ككل.

مقالات ذات صلة