لغز العصر الجليدي: كشف سر قصر قامة سيدتين دفنتا في عناق أبدي قبل 12 ألف عام
تحليل جيني حديث يفك شيفرة اضطراب وراثي نادر في أقدم اكتشاف من نوعه

قبل أكثر من 12 ألف عام، دفنت سيدتان تربطهما صلة قرابة وثيقة – ربما أم وابنتها – في عناق أبدي.
كان هذا الثنائي من الصيادات والجامعات، اللاتي عشن في العصر الجليدي، أقصر من متوسط طول مجتمعهما، إحداهما بشكل ملحوظ. والآن، نكشف أخيراً سر قصر قامتهما.
أعاد فريق من الباحثين الأوروبيين فحص الرفات – التي اكتُشفت أول مرة في كهف روميتو بجنوب إيطاليا خلال تنقيب عام 1963 – مستخدماً تقنيات وراثية حديثة.
مكن هذا الفريق من تحديد طفرات جينية محددة حملها هؤلاء البشر الذين رحلوا، بالاستعانة بحمض نووي قديم استُخرج من الأذن الداخلية اليسرى لكل منهما.
رفات الهيكلين العظميين من كهف روميتو. الأجزاء المدمجة تظهر سمات مميزة لاضطراب AMDM، بما في ذلك (ب) تحدب وبروز الجزء العلوي من الجمجمة فوق جذر أنفي ضحل؛ (ج) قصر عظمي الكعبرة والزند مع تقوس شعاعي واضح؛ و (د) عظام أمشاط وسلاميات قصيرة وسميكة في القدمين. (فيرنانديز وآخرون، مجلة نيو إنجلاند للطب، 2026)
كشف التحليل الجديد أن الثنائي من الإناث، وقريبتان من الدرجة الأولى – يرجح أنهما أم وابنتها.
وأتاح للفريق أيضاً تشخيص الفتاة الصغرى بمتلازمة خلل التنسج العظمي الطرفي المتوسط من نوع ماروتو (AMDM)، وهو اضطراب وراثي نادر يؤثر على نمو العظام. يمثل هذا الاكتشاف أقدم دليل على هذا الاضطراب يُكتشف على الإطلاق.
ينشأ اضطراب AMDM عن طفرات في الجين NPR2، المسؤول عن إنتاج بروتين حيوي لنمو الهيكل العظمي. غياب نسختين وظيفيتين من هذا الجين يوقف إنتاج البروتين، فتظهر الصفات الجسدية المرتبطة بالمتلازمة.
يقول عالم الأنثروبولوجيا دانيال فيرنانديز، المؤلف الأول للدراسة من جامعة كويمبرا بالبرتغال: «تحديد هويتي الأفراد كإناث وقريبتين يحول هذا الدفن إلى حالة وراثية عائلية».
وأضاف: «قصر قامة المرأة الأكبر بشكل طفيف يعكس طفرة جينية أحادية، مما يوضح كيف أثر الجين ذاته بشكل مختلف على أفراد عائلة من عصور ما قبل التاريخ».
تعني الطفرة الأحادية أن المرأة كانت تحمل نسخة واحدة فقط غير وظيفية من جين NPR2، وهو ما يؤثر على نمو العظام وإن كان بدرجة أقل من متلازمة AMDM.
فإذا كانت هذه المرأة هي الأم، فلا بد أن الأب كان يحمل نسخة واحدة على الأقل من الجين المتحور NPR2، وهو ما أدى إلى حصول الفتاة على نسختين: واحدة من كل والد.
عاشت الفتاة في مجتمع يعتمد على الصيد والجمع، وواجهت صعوبة في اجتياز المسافات والتضاريس التي تميز حياة قومها.
تطور عظامها حد من مدى حركتها في المرفقين واليدين، مما زاد من صعوبة أنشطتها اليومية. على سبيل المثال، يجد المصابون بالمتلازمة صعوبة متزايدة في مد أذرعهم بالكامل أو تدويرها. لكن يبدو أن عائلتها ظلت بجانبها في حياتها كما في مماتها.
يكتب فيرنانديز وفريقه: «لقد عاشت… حتى أواخر مرحلة المراهقة، مع نظام غذائي وضغوط غذائية مشابهة لتلك التي عاناها سكان روميتو الآخرون، مما يوحي بأن عائلتها وفرت لها الرعاية اللازمة لمواجهة تحدياتها».
ويضيف هذا الاكتشاف دليلاً جديداً على أن البشر اعتادوا رعاية بعضهم البعض قبل وقت طويل من ظهور الحضارة. لا يزال سبب وفاتهما معاً غير واضح، لكن عناقهما في الموت يظل لوحة خالدة من الحب العائلي تتجاوز حواجز الزمن.
يقول أدريان دالي من مركز مستشفى لييج الجامعي في بلجيكا: «الأمراض الوراثية النادرة ليست ظاهرة حديثة، بل رافقت تاريخ البشرية».
واختتم: «فهم تاريخها قد يسهم في التعرف على هذه الحالات اليوم».
نُشر هذا البحث في مجلة نيو إنجلاند للطب.









