كورتينا دامبيتزو: الألعاب الأولمبية تضيء على صراع هوية الأقلية اللادينية
صراع الهوية يطغى على أجواء أولمبياد كورتينا الشتوي

في قلب كورتينا دامبيتزو، المدينة الإيطالية التي تستعد لاستضافة الألعاب الأولمبية الشتوية، تتجلى قصة صراع هوية عميق. داخل مقر الجالية اللادينية، تملأ الصناديق أعلاماً وصوراً للإمبراطور النمساوي المجري الأخير، فرانز جوزيف، الذي يصفونه بـ”إمبراطورنا”. هذه المشاهد تتكشف في الشارع الرئيسي للمدينة، بجوار مبنى البلدية، في ظل أجواء تنظيم اللحظات الأخيرة للأولمبياد، حيث لا تقتصر الحركة على الرافعات فحسب، بل تمتد لتشمل قضايا الهوية المتجذرة.
تعد هذه المدينة الساحرة، التي يطلق عليها “لؤلؤة الدولوميت”، موطناً لأقلية لغوية تعيش هذا الحدث الكبير بشعور عميق بالغربة، ولا تنوي إخفاء ذلك. اللغة اللادينية هي لغة رومانسية تعود أصولها إلى جبال الألب، وتختلف عن الإيطالية والألمانية، ويتحدث بها سكان عدة وديان في منطقة الدولوميت.
وقد دعت الجمعية المحلية سكان كورتينا والوديان المجاورة إلى تعليق العلم اللاديني – “أخضر كالمروج، أبيض كالثلج، وأزرق كالسماء” – كدليل على وجودهم. تشرح إلسا زارديني، رئيسة الجالية، قائلة: “يُمنع وضع علم الحلقات الأولمبية الخمس على النوافذ، فاللجنة الأولمبية الدولية تمنع ذلك. لذلك فكرنا في إظهار أننا موجودون”.
تضم هذه الأقلية اللغوية حوالي 30 ألف شخص، يتوزعون على وديان مختلفة في الدولوميت، مقسمين بين إقليمين وثلاث محافظات، وهذا هو جوهر المشكلة.
بمجرد الابتعاد عن مركز المدينة، الذي يضج بالمحلات الفاخرة والفنادق الكبرى، تظهر الأعلام اللادينية على منازل سكان كورتينا. هذا ليس مجرد تعبير رمزي، بل هو أيضاً مطلب سياسي. فمنذ عقود، تطالب هذه الجالية بتغيير انتمائها الإقليمي: مغادرة إقليم فينيتو، وعاصمته البندقية، والانضمام إلى إقليم ترينتينو ألتو أديجي.
شهد مجلس الشيوخ في روما بعض التحركات في هذا الصدد، حيث قدم سيناتور من حزب “سودتيرولر فولكسبارتي”، وهو حزب الأقلية الألمانية، مشروع قانون لإعادة تفعيل هذه العملية. هذا المطلب ليس جديداً، وقد حظي بدعم استفتاء أُجري عام 2007، وفقاً للدستور الإيطالي، وأسفر عن نتيجة واضحة: 76.8% صوتوا لصالح الانفصال عن فينيتو. ومع ذلك، لم يحدث الكثير منذ ذلك الحين، فمن محافظة بيلونو، انفصلت بلدية سابادا فقط، وانتقلت إلى إقليم فريولي فينيتسيا جوليا. يبقى طلب كورتينا معلقاً، والجميع يتفق على أنه سيبقى كذلك، خاصة وأن الإدارة الفينيسية تعارض بشدة هذا الانتقال.
لا يرتكز هذا المطلب على مجرد مسألة إدارية، بل على رغبة عميقة في “وحدة اللادينيين”. هذه الأقلية مقسمة بين إقليمين: ترينتينو ألتو أديجي وفينيتو. في الإقليم الأول، تحظى اللغة اللادينية بحماية اقتصادية وتعليمية، حيث تُدرّس في المدارس. وعلى النقيض، تشكو زارديني من أن “البندقية تتجاهلنا”.
يستند هذا المطلب إلى أسس تاريخية، حيث تقول زارديني: “لطالما كانت كورتينا جزءاً من تيرول. وقد احترم الإمبراطورية النمساوية المجرية استقلالنا الذاتي. وعندما انتقلنا إلى إيطاليا، قام الفاشيون بفصلنا وفرضوا إيطالية قسرية”. ومع عودة الديمقراطية عام 1945، لم يتغير الوضع. وتضيف: “أسسنا حزباً سياسياً عام 1946، لكن لم يستمع إلينا أحد قط”.
في هذا السياق، حتى الألعاب الأولمبية عام 1956 تُذكر كفرض. “حتى في ذلك الوقت، قيل لنا إنها فرصة للتنمية، لكن السياح كانوا يأتون إلينا منذ القرن التاسع عشر. في الواقع، كانت وسيلة لسلب ما تبقى من هويتنا اللادينية: أرسلوا معلميهم وموظفيهم وحتى الكهنة. لقد غيروا حتى أبرشيتنا”. وتلخص زارديني إحدى حلقات المقاومة قائلة: “أراد كاهن استبدال أجراس الكنيسة. لدينا هنا أجراس إنسبروك، ذات صوت خاص. تمردنا. كان ذلك أحد الانتصارات القليلة”.

علم لاديني. أرشيف ULd’A / متعاونون
يضم إقليم ترينتينو ألتو أديجي أيضاً مستشاراً للأقليات اللغوية، لوكا غولييلمي، الذي أوضح لصحيفة “لا فانغوارديا” أنه “لو لم تكن كورتينا ما هي عليه الآن، لكانت جزءاً من أراضينا”. ويضيف: “الحماية اللغوية هنا عالية جداً، بينما في فينيتو ليست كذلك. فبالإضافة إلى التدريس في المدارس، هناك شهادة لادينية تمنح نقاطاً إضافية في المسابقات الوظيفية المحلية. هناك إحياء حقيقي للغة. وبدون سياسات عامة، فإن اللغة اللادينية معرضة لخطر الاختفاء”.
من جانبه، يرى ستيفانو أليفي، عالم الاجتماع بجامعة بادوفا وأحد أبرز الخبراء في القضايا الإقليمية، أن هذا المطلب “مثير للاهتمام ثقافياً، لكنه غير قابل للتحقيق عملياً، وتدفعه عوامل أخرى أيضاً”. ويوضح: “في ترينتينو ألتو أديجي، توجد موارد أكبر للاستثمار، وكورتينا هي الجائزة الكبرى. المشكلة الحقيقية تكمن في أن فينيتو لسوء حظها تحد إقليمين يتمتعان بوضع خاص، وهما فريولي فينيتسيا جوليا وترينتينو ألتو أديجي. وهذا يثير نقاشاً يمس جوهر مفهوم الحكم الذاتي الإقليمي”.
أمام مقر الجمعية، تشير لافتة إلى العد التنازلي ليوم 6 فبراير، موعد افتتاح الأولمبياد، حيث لم يتبق سوى 14 يوماً. أما لوحدة اللادينيين، فيبدو أن الأمر يتطلب “ألف يوم على الأقل”.









