كتب: فاطمة أبو النصر
في اكتشافٍ علمي مثير، كشف باحثون نمساويون عن أسرار تحوّل الخلايا المناعية، وتحديدًا “البلاعم”، إلى وضع الهجوم عند مواجهة مسببات الأمراض، ما يُبشّر بعهد جديد في فهم آليات الدفاع الطبيعية للجسم.
تُعتبر البلاعم خط الدفاع الأول في أجسامنا ضدّ الغزاة الميكروبية، وتُعرف بقدرتها على التهام الكائنات الدقيقة الممرضة. لكن كيف تتحوّل هذه الخلايا من دورها الرقابي إلى حالة التأهب القصوى؟ هذا ما حاول الباحثون النمساويون كشفه.
رحلة الخلايا الوحيدة: من الدم إلى خط المواجهة
تبدأ رحلة البلاعم كخلايا وحيدة، وهي نوع من خلايا الدم البيضاء، تنتقل عبر مجرى الدم حتى تصل إلى موقع الإصابة أو العدوى. بمجرد وصولها، تتلقى إشارات كيميائية تُعرف بـ “جزيئات الجذب الكيميائي”، تُرشدها إلى مصدر الخطر.
تُحفّز هذه الإشارات الخلايا الوحيدة على التمايز إلى بلاعم ناضجة، مُجهزة بمستقبلات خاصة تُمكّنها من التعرّف على الميكروبات وتدميرها.
أنواع البلاعم: جنود متنوعة في ساحة المعركة
تُصنّف البلاعم إلى عدة أنواع، لكل منها دور مُحدّد في الاستجابة المناعية:
-
البلاعم المقيمة: تحافظ على التوازن في الأنسجة.
-
البلاعم الالتهابية: تُقاوم الميكروبات في مواقع العدوى.
-
البلاعم المقاتلة: تُطلق مواد قوية لقتل البكتيريا والفيروسات.
-
البلاعم المصلحة: تُهدّئ الالتهاب وتُرمّم الأنسجة.
بالإضافة إلى أنواع أخرى متخصصة في أعضاء مُحدّدة مثل الكبد، الدماغ، الرئة، الطحال، والعظام.
توازن دقيق: بين الهجوم والحماية
تُعتبر قدرة البلاعم على التكيّف مع الأنسجة المختلفة إحدى أبرز سماتها. فهي تُغيّر سلوكها ووظائفها بحسب البيئة المحيطة، ما يُتيح لها لعب أدوار مُتنوّعة في الاستجابة المناعية.
ولكن، كيف تُقرّر البلاعم متى تُهاجم ومتى تتراجع؟ هذا التوازن الدقيق هو ما استهدفه الباحثون النمساويون في دراستهم.
باستخدام تقنيات حديثة مثل “كريسبر” والتعلم الآلي، تمكّن الباحثون من تتبّع التغيرات في نشاط جينات البلاعم عند مواجهة مُحفّزات مُختلفة. وكشفت النتائج عن شبكة مُعقّدة من البروتينات التنظيمية تُسيطر على الاستجابة المناعية، بعضها لم يكن معروفًا سابقًا بدوره في المناعة.
تُشير هذه الاكتشافات إلى أن الاستجابة المناعية أكثر تعقيدًا مما كنا نعتقد، وتُفتح آفاقًا جديدة لتطوير علاجات مُبتكرة تستهدف هذه البروتينات التنظيمية، لتعزيز المناعة أو كبحها في حالات أمراض المناعة الذاتية أو السرطان.
