كارمن المصرية: حين ترقص روح الغجر على خشبة المسرح العربي
العرض المسرحي المتمرد يمثل مصر في مهرجان المسرح العربي، حاملاً معه صراع الهوية والحرية من إسبانيا إلى القاهرة.

تستعد القاهرة لتكون قبلة المسرح العربي في يناير 2026. الأضواء تتأهب، والخشبات تنتظر. وفي قلب هذا الزخم الفني، يتردد اسمٌ واحدٌ بقوة، حاملاً معه إرثاً من الشغف والتمرد: «كارمن». على إيقاع خطواتها الجريئة، اختيرت هذه المسرحية لتكون صوت مصر وصورتها في المسابقة الرسمية لمهرجان المسرح العربي، ذلك الحدث الذي تنظمه الهيئة العربية للمسرح ليجمع ألمع التجارب الإبداعية.
صوتٌ من القاهرة
لم يكن الاختيار سهلاً. فقد عملت لجنة متخصصة، برئاسة الناقد السوداني الدكتور يوسف عايدابي، على غربلة عشرات العروض القادمة من محيط الثقافة العربية إلى خليجها، لتصطفي منها خمسة عشر عملاً فقط. هذه الأعمال هي التي ستتنافس على جائزة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي المرموقة. وجود «كارمن»، التي أنتجها البيت الفني للمسرح، ضمن هذه الكوكبة المختارة لم يكن مجرد ترشيح، بل هو شهادة على أن الرؤية المصرية للعمل الكلاسيكي العالمي تمتلك نبضاً خاصاً يستحق أن يُرى ويُسمع. وها هي كارمن، تتأهب للرقص من جديد.
شغفٌ يتجاوز الحدود
هذا الاختيار أشعل شعوراً بالفخر في أروقة المسرح المصري. عبر المخرج هشام عطوة، رئيس قطاع المسرح، عن اعتزازه العميق بهذه المشاركة التي لا تأتي من فراغ، بل هي تتويج لمسيرة حافلة بالنجاحات شهدتها الخشبة المصرية مؤخراً. فقبل «كارمن»، كانت هناك بصمات قوية أخرى، مثل عرض «الملك لير» الذي افتتح مهرجان قرطاج المسرحي في تونس، ومسرحية «ذات والرداء الأحمر» التي حلّقت في فضاءات مهرجان القاهرة الدولي للطفل العربي. إنها ليست نجاحات منعزلة، بل خيوطٌ في نسيج واحد يؤكد عودة المسرح المصري بقوة إلى المشهد الإقليمي والدولي.
من أزقة إشبيلية إلى روح الطليعة
لكن، من هي كارمن هذه؟ إنها تلك الروح الغجرية الحرة التي ولدت من رحم رواية الكاتب الفرنسي بروسبير ميريميه الخالدة. فتاةٌ متمرّدة، تجسد ثقافة الغجر بكل ما فيها من فوضى عاطفية وحياة على الهامش، في مواجهة مباشرة مع ثقافة المدينة الإسبانية المنظمة، القائمة على صرامة القانون والنظام. هذا الصراع الأزلي بين الروح والنسق، بين الحرية والقيد، هو ما التقطه الدراماتورج محمد علي إبراهيم ليقدمه في صياغة مسرحية جديدة، لا تكتفي بالترجمة، بل تغوص في أعماق الشخصية لتعيد مساءلة مفاهيمها في سياقنا المعاصر. صراعٌ قديم، بلغةٍ مسرحيةٍ جديدة.
أرواحٌ على الخشبة
لم تكن هذه الرؤية لتتحقق لولا فريق فني متناغم، قاده المخرج ناصر عبد المنعم بحساسية فائقة. على الخشبة، تتجسد كارمن في أداء ريم أحمد، ويشاركها البطولة ميدو عبد القادر، محمد حسيب، وعبد الرحمن جميل، إلى جانب كوكبة من الممثلين الذين يشكلون معاً عالم المسرحية. لكن الروح لا تكتمل بالتمثيل وحده؛ فالموسيقى التي أعدها حازم الكفراوي تمنح العرض إيقاعه الخاص، وتصمم سالي أحمد لوحات استعراضية تحكي ما يعجز عنه الحوار، بينما يبني أحمد شربي بديكوره وأزيائه جسراً بين الواقع والخيال، ويكمله أبو بكر الشريف بتصميم إضاءة ينحت المشاعر ويرسم الظلال. كل تفصيلٍ يروي جزءًا من الحكاية.









