قمة ترمب وشي: رهانات اقتصادية واستراتيجية في مواجهة متصاعدة
قمة ترمب وشي الكبرى: صراع على النفوذ الاقتصادي والجيوسياسي في آسيا

تتجه الأنظار نحو اللقاء المرتقب بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جين بينغ، حيث يسعى ترمب لتحقيق اختراق سريع في هذا الاجتماع الحاسم. تأتي هذه القمة وسط تصاعد التوترات بين أكبر اقتصادين في العالم، مع رغبة أمريكية واضحة في خفض حدة التنافس التجاري والاستراتيجي.
الرئيس الأمريكي يطمح إلى إنجاز يعزز موقفه، حتى لو لم يصل إلى صفقة شاملة تعالج القضايا الجوهرية. فقبيل اللقاء، حدد ترمب أولوياته بوضوح، مشيراً إلى تمديد تجميد الرسوم الجمركية الإضافية كهدف رئيسي.
أجندة ترمب: مكاسب فورية وتوقعات محدودة
في المقابل، تتضمن قائمة المطالب الأمريكية استئناف بكين لمشتريات فول الصويا الأمريكي، وتشديد رقابتها على مادة الفنتانيل التي تثير قلقاً متزايداً في الولايات المتحدة. كما يطالب ترمب بتراجع الصين عن قيودها المفروضة على صادرات المعادن النادرة، مع الإبقاء على بعض الحواجز التجارية التي يراها ضرورية لحماية الصناعة الأمريكية.
الرئيس الأمريكي عبر عن تفاؤله، قائلاً للصحفيين هذا الأسبوع: “سنعقد صفقة حول كل شيء، على ما أعتقد”. هذه التصريحات تعكس رغبته في إظهار قدرته على إبرام صفقات كبرى، وهو ما يتسق مع نهجه التفاوضي المعروف.
لم تتوقف طموحات ترمب عند الملفات التجارية، بل لمح أيضاً إلى إمكانية التوصل إلى اتفاق حول الأسلحة النووية. كما أبدى رغبته في إقناع شي بالضغط على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لإنهاء الحرب في أوكرانيا، في محاولة لتعزيز صورته كصانع سلام عالمي بعد نجاحه في التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين إسرائيل و”حماس”.
إلا أن نهج ترمب في عقد الصفقات غالباً ما يركز على الشكل والمكاسب السريعة أكثر من المضمون العميق. يتوقع محللون أن أي اتفاق محتمل في قمة كوريا الجنوبية سيهدف بالأساس إلى خفض التوترات بعد أسابيع من التصعيد المتبادل والتهديدات التجارية واللغة العدائية، بعيداً عن اتفاق شامل يعالج جذور الخلافات بين البلدين.
من المقرر أن يبدأ ترمب جولة آسيوية تشمل ثلاث دول يوم الجمعة، مما يضيف بعداً إقليمياً لهذه القمة. وفي هذا السياق، أوضحت هنرييتا ليفين، المستشارة السابقة في البيت الأبيض لشؤون الصين، أن الجانبين يسعيان لتحقيق الاستقرار في العلاقة، لكن السؤال يبقى حول شروط هذا الاستقرار، مشيرة إلى أن بكين تبدو وكأنها تمسك بأوراق قوة أكبر في الوقت الراهن.
رهانات انتخابية ومخاطر استراتيجية
رغبة ترمب في تحقيق نتيجة يمكنه تسويقها كـ”انتصار” انتخابي تحمل في طياتها خطر تقديم تنازلات كبيرة للصين. قد تشمل هذه التنازلات السماح بوصول بكين إلى الرقائق المتقدمة أو تغيير موقف واشنطن تجاه تايوان، وهي نقاط لم يستبعدها الرئيس علناً، مما يثير قلقاً في الأوساط السياسية والأمنية.
لكن من غير المرجح أن يقدم ترمب تنازلات جوهرية في هذه الملفات الحساسة لدواعٍ أمنية داخلية، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات. هذا يقلل من احتمالات التوصل إلى صفقة كبرى تطمئن الأسواق من أن حرباً تجارية جديدة لن تندلع، خصوصاً أن الهدنة الجمركية الحالية تنتهي في نوفمبر المقبل.
يختلف أسلوب التفاوض لدى ترمب جذرياً عن أسلوب شي جين بينغ؛ فبينما يعتمد الرئيس الأمريكي نهجاً صفقاتياً قصير المدى لتحقيق مكاسب فورية، يركز الزعيم الصيني على رؤية طويلة المدى تستند إلى تفوق بلاده في التصنيع والموارد الطبيعية، مما يجعل التوصل إلى أرضية مشتركة أمراً معقداً.
المعادن النادرة: ورقة ضغط صينية
أصر ترمب على ضرورة تراجع الصين عن قيودها الشديدة على صادرات المعادن النادرة، التي تعكس نفوذ بكين بصفتها المورد والمُعالج المهيمن عالمياً لتلك المواد. هذه المواد حيوية في صناعات الهواتف وأشباه الموصلات والتقنيات المتقدمة، مما يمنح الصين ميزة استراتيجية لا يستهان بها.
لكن شي يعتبر هذا التفوق ميزة استراتيجية أساسية لبلاده، ومن غير المرجح أن يتراجع عنها من دون تنازلات كبرى من واشنطن. وفي هذا الصدد، أشار سون تشنغهاو، الباحث في مركز الأمن الدولي والاستراتيجية بجامعة تسينغهوا، إلى أن “النفوذ الصيني ليس ورقة مساومة بسيطة”، مؤكداً أن التراجع عن هذه السياسة يتطلب تنازلاً هائلاً من الولايات المتحدة، مثل رفع العقوبات التكنولوجية، وهو أمر غير قابل للتحقيق سياسياً حالياً في واشنطن.
في الواقع، تبحث الولايات المتحدة تشديد القيود على الصادرات إلى الصين، بما يشمل معدات تحتوي على برمجيات أمريكية. هذا التوجه قد يطال مبيعات الحواسيب والمحركات وسلعاً أخرى، مما يعكس استمرار التنافس التكنولوجي والاقتصادي بين القوتين العظميين.
قلق في واشنطن وآسيا
أثار تصاعد التوترات قلقاً متزايداً في الاقتصادات الآسيوية، بما في ذلك دول حليفة لواشنطن تأثرت برسوم ترمب الجمركية. ومن المقرر أن يزور ترمب ماليزيا واليابان وكوريا الجنوبية خلال الأيام المقبلة، مما يجعله أمام تحدي طمأنة هذه الدول بشأن مستقبل العلاقات الأمريكية الصينية.
ويخشى بعض الصقور في واشنطن أن تؤدي نزعة ترمب لعقد الصفقات ورغبته في تسجيل مكاسب تجارية إلى تنازلات أمنية غير مسبوقة. من بين هذه المخاوف، احتمال تغيير سياسة “الغموض الاستراتيجي” الأميركية تجاه تايوان، والتي تتبعها واشنطن منذ عقود للحفاظ على التوازن في المنطقة.
الصين من جانبها، طلبت من البيت الأبيض إعلان موقف رسمي ضد استقلال تايوان. وقد اعترف ترمب بأن الجزيرة ستكون مطروحة للنقاش، بل وقال عن شي في وقت سابق من هذا الأسبوع إن تايوان ربما تكون “نقطة ضعفه”، مما يشير إلى حساسية الملف وأهميته في المفاوضات.
باتريشيا كيم من معهد “بروكينغز” أكدت أن ترمب لا يتبنى مواقف تقليدية تجاه تايوان، وهو أقل حماسة في دعمها مقارنة بسابقيه. هذا الوضع قد يشجع بكين على اختبار مدى استعداده لعقد صفقة إذا حصل على مقابل مناسب، مما يضيف تعقيداً للمشهد الجيوسياسي.
تصعيد الرسوم وتبادل العقوبات
يتنازع الجانبان حول من أشعل موجة التصعيد الأخيرة في الحرب التجارية. تتهم واشنطن بكين بفرض قيود تصدير توسعية، فيما تقول الصين إن الولايات المتحدة نكثت بوعودها بعد أن وسعت العقوبات لتشمل شركات تابعة لمؤسسات مدرجة في القوائم السوداء، مما يعكس تبادل الاتهامات.
أعقب ذلك سلسلة من العقوبات المتبادلة، شملت فرض الصين عقوبات على فروع أمريكية لشركة الشحن الكورية الجنوبية “هانوا أوشن”. ورد ترمب بالتهديد بفرض رسوم بنسبة 100% على الواردات الصينية بحلول الأول من نوفمبر، إضافة إلى تقييد واردات زيت الطهي المستخدم من الصين، مما يزيد من حدة التوتر.
تختبر هذه الحرب التجارية قدرة البلدين على تحمل الخسائر الاقتصادية؛ إذ أدت الرسوم إلى رفع أسعار السلع الاستهلاكية في أميركا، وتقييد وصول الصين إلى أكبر أسواقها التصديرية. وقد أقر ترمب الأسبوع الماضي بأن الرسوم التي يهدد بها “غير مستدامة”، مما يشير إلى إدراكه لتداعيات هذه السياسات.
مع ذلك، يرى بعض المحللين أن ترمب يمتلك ورقة ضغط اقتصادية قوية، لأن الصين بحاجة أكبر إلى السوق الأميركية. وقال ستيف ييتس من مؤسسة “هيريتدج”: “قد تكون بكين بالغت في تقدير قدرتها على تحمل الألم والاضطراب الاقتصادي”، مما يضع ضغوطاً إضافية على الجانب الصيني.
صفقات إقليمية ومواقف تفاوضية
رغم أن الأنظار تتجه نحو قمة ترمب وشي، إلا أن الرئيس الأميركي يسعى أيضاً إلى تسوية ملفات تجارية مع كوريا الجنوبية والهند والبرازيل. هذه اللقاءات الجانبية تهدف إلى تعزيز الشراكات الاقتصادية الأمريكية في المنطقة وخارجها، مما يخدم استراتيجية واشنطن الأوسع.
كما لا تزال شروط صندوق استثماري بقيمة 550 مليار دولار مع اليابان قيد التفاوض، ما سيشكل اختباراً لرئيسة الوزراء الجديدة ساناي تاكايشي. وفي الوقت ذاته، لم يتضح ما إذا كان ترمب ورئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ سيتوصلان إلى اتفاق تجاري واسع يشمل استثمارات بقيمة 350 مليار دولار في الولايات المتحدة.
لا يتوقع أن يتم توقيع أي اتفاقات تجارية مع فيتنام وإندونيسيا والفلبين خلال هذه الجولة، بحسب أشخاص مطلعين. وقد يلتقي ترمب أيضاً الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الذي فُرضت على بلاده رسوم بنسبة 50% على الصادرات إلى أميركا.
قد تشهد القمة أيضاً توقيع هدنة بين تايلاند وكمبوديا لإنهاء نزاع حدودي طويل، وذلك خلال قمة رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) في كوالالمبور. هذه التطورات تعكس جهود واشنطن لتوسيع نفوذها الدبلوماسي والاقتصادي في المنطقة.
ويؤكد ويليام تشو، المحلل في “معهد هدسون”، أن “توطيد الاتفاقات مع شركاء واشنطن سيقوي موقف ترمب التفاوضي مع شي”. وأضاف: “إذا كان الهدف لا يزال عقد صفقة فعالة مع بكين، فمن الأفضل تعزيز أوراق الضغط إلى أقصى حد ممكن”، مما يلخص الاستراتيجية الأمريكية في هذه المرحلة الحساسة من العلاقات الأمريكية الصينية.








