قضية أطفال دلجا تهز المنيا: تفاصيل جريمة الخبز المسموم أمام المحكمة

خلف أسوار محكمة جنايات المنيا، تتكشف فصول واحدة من أبشع الجرائم الأسرية التي شهدتها مصر. قضية أطفال دلجا الستة ووالدهم، الذين لقوا حتفهم ضحية لـ’لقمة عيش’ مسمومة، تعود إلى الواجهة من جديد في جلسة محاكمة يترقبها الرأي العام وسط حالة من الصدمة والغضب.
أجواء مشحونة في ثاني جلسات المحاكمة
في صباح اليوم السبت، فرضت الأجهزة الأمنية سياجًا مشددًا حول مبنى محكمة جنايات المنيا، مانعةً دخول الصحفيين ووسائل الإعلام، في إجراء يعكس حساسية القضية التي هزت قرية دلجا الهادئة. تقف المتهمة، الزوجة الثانية، وحيدة في قفص الاتهام، تحمل على عاتقها تهمة إنهاء حياة سبعة أرواح بدم بارد، في جريمة وُصفت بأنها فاقت كل تصور.
قرار الإحالة الصادر عن النيابة العامة لم يترك مجالًا للشك، حيث وجه للمتهمة تهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، باستخدام مادة سامة، والشروع في قتل الزوجة الأولى، في قضية أصبحت حديث الشارع المصري نظرًا لبشاعتها ودوافعها المعقدة.
غيرة قاتلة.. شرارة الجريمة
تعود جذور هذه المأساة إلى خلافات أسرية أشعل فتيلها قرار الزوج بإعادة زوجته الأولى وأم أبنائه إلى عصمته. هذا القرار، الذي قد يبدو طبيعيًا في سياقات أخرى، كان بمثابة شرارة أشعلت نار الغيرة والحقد في قلب الزوجة الثانية، التي رأت في عودة ‘ضرتها’ تهديدًا لمكانتها، فقررت الانتقام بأبشع طريقة ممكنة.
لم يكن الانتقام موجهًا للزوجة الأولى فحسب، بل امتد ليحصد أرواح الأب وأبنائه الستة، في محاولة يائسة لمحو أثر الأسرة الأولى من الوجود، تاركة خلفها مأساة إنسانية يصعب على العقل استيعابها.
تفاصيل صادمة لجريمة الخبز المسموم
كشفت التحقيقات عن تخطيط شيطاني نفذته المتهمة بدقة. استغلت ثقة الأسرة فيها، حيث كانت معتادة على إعداد الخبز المنزلي وإرساله لهم. في المرة الأولى، دست السم في قطعة خبز واحدة وأعطتها لأحد الأطفال كتجربة، وعندما تدهورت حالته الصحية وتأكدت من فعالية السم، انتظرت أربعة أيام لتنفيذ خطتها الكبرى.
في يوم الجريمة المشؤوم، قامت بخلط مبيد حشري فتاك يُعرف بـ «الكلورفينابير» بكمية كبيرة من الخبز، وأرسلته إلى منزل زوجها. التهم الأطفال ووالدهم الخبز المسموم، ليلقوا حتفهم واحدًا تلو الآخر في مشهد مروع، بينما نجت الزوجة الأولى بأعجوبة، فقط لأنها امتنعت عن تناول الخبز في ذلك اليوم.
خيوط الجريمة في يد العدالة
لم تكن جريمتها كاملة، فقد تركت خلفها أدلة قاطعة اعتمدت عليها النيابة العامة في بناء قضيتها. الأدلة لم تقتصر على أقوال الشهود وتحريات الشرطة الدقيقة، بل امتدت لتشمل أدلة مادية دامغة، كان أبرزها:
- تسجيلات كاميرات المراقبة: رصدت اثنين من الأطفال الضحايا وهما يحملان الخبز المسموم من منزل المتهمة إلى مسكنهم قبل وقوع الكارثة.
- تقرير الطب الشرعي: أثبت وجود بقايا المبيد الحشري السام في أدوات الطهي والخبز الذي تم ضبطه في منزل الضحايا، وهو ما تطابق مع نتائج تشريح الجثامين.
- تقرير الصفة التشريحية: أكد أن سبب الوفاة هو التعرض للمادة السامة التي أدت إلى فشل حاد في الأجهزة الحيوية للجسم.
اعترافات كاملة ومحاكاة تصويرية
أمام جهات التحقيق، انهارت المتهمة واعترفت تفصيليًا بارتكاب جريمة القتل، وروت ببرود خطواتها منذ لحظة شراء السم وحتى إرسال الخبز القاتل. لم تكتفِ بالاعتراف الشفهي، بل قامت بإجراء محاكاة تصويرية للجريمة في مسرح الحادث، موثقةً كل خطوة من فصول مأساتها.
اليوم، ومع إحالة القضية إلى محكمة الجنايات المختصة، لا تنتظر قرية دلجا فقط، بل مصر كلها، كلمة القضاء العادل في قضية تجردت فيها المتهمة من كل مشاعر الإنسانية، لتكتب نهاية مأساوية لأسرة بأكملها بسبب نار الغيرة التي أحرقت الجميع.









