في ذكرى رحيله.. هادي الجيار: “لطفي” الذي ترك إرثًا فنيًا خالدًا
هادي الجيار: مسيرة فنية حافلة من "مدرسة المشاغبين" إلى "المال والبنون"

يصادف اليوم السبت، ذكرى رحيل الفنان المصري القدير هادي الجيار، الذي يُعد أحد الوجوه البارزة في تاريخ الدراما والمسرح المصري. امتدت مسيرته الفنية لعقود، تاركًا خلالها حضورًا لافتًا وبصمة فريدة في قلوب الجمهور، بفضل أدائه الصادق وقدرته الفائقة على تجسيد شخصيات قريبة من الواقع والوجدان الشعبي.
وُلد الجيار في الخامس عشر من أكتوبر عام 1949، وتلقى تعليمه الفني بالمعهد العالي للفنون المسرحية، حيث نهل من خبرات كبار المسرحيين، وعلى رأسهم المخرج الراحل جلال الشرقاوي.
انطلقت رحلته الفنية الفعلية من خشبة المسرح، حيث برز اسمه مبكرًا عبر مشاركته في المسرحية الأيقونية “مدرسة المشاغبين”. جسّد الجيار شخصية “لطفي” التي فتحت له آفاق الشهرة والانتشار، رغم أن أجره المبدئي لم يتعدَّ 15 جنيهًا شهريًا، قبل أن يرتفع إلى 20 جنيهًا بعد عام من النجاح المتواصل للعرض. لم يكن الانضمام إلى هذا العمل سهلًا؛ فقد واجه انتقادات من زملائه الذين رأوا في العمل مع فرقة المتحدين مخاطرة فنية، لكنه أصر على المضي قدمًا في التجربة، التي أثبتت لاحقًا أنها نقطة تحول حقيقية في مساره. ورغم الصعوبات التي واجهها في البداية لمجاراة الإفيهات السريعة لنجوم العمل، فقد ثابر واستفاد من التجربة ليصبح أحد أعمدتها الأساسية.
بعد تألقه المسرحي، انتقل الجيار إلى عالم التلفزيون والسينما، ليُرسخ مكانته كممثل يتميز بصدق الأداء والقدرة على تجسيد الشخصيات الشعبية والدرامية المعقدة. وشكّل مسلسل “المال والبنون” محطة مفصلية في مسيرته، حيث جسّد شخصية “منعم الضو”، التي وصفها بـ “دور العمر”. تطلب هذا الدور منه جهدًا بحثيًا ومعايشة واقعية، إذ أمضى وقتًا طويلًا في ورش الصاغة بمنطقة الحسين بالقاهرة استعدادًا للشخصية، ليقدم أداءً لا يزال محفورًا في ذاكرة المشاهدين.
تنوعت أدوار الجيار بين الدراما الاجتماعية والتاريخية والصعيدية، وشملت قائمة أعماله البارزة مسلسلات مثل: “الراية البيضا”، “أبناء ولكن”، “النوارس والصقور”، “الوجه الآخر”، “ثورة الحريم”، “العصيان”، “الضوء الشارد”، “سوق العصر”، و”سلسال الدم”. كما شارك في أعمال مستوحاة من الأدب مثل “الحرافيش”، “بين القصرين”، و”قصر الشوق”، وأعمال تاريخية كـ “الإمام محمد عبده” و”نابليون والمحروسة”. ولم يغفل عن الأعمال المعاصرة التي حققت نجاحًا جماهيريًا كبيرًا، منها “الأسطورة”، “كفر دلهاب”، “عوالم خفية”، “فلانتينو”، و”ولد الغلابة”. ويمكن استعراض مسيرته الفنية الحافلة هنا.
على صعيد السينما، كانت له مشاركات في أفلام مثل “ثم تشرق الشمس” عام 1971، و”احترس من عصابة النساء” عام 1986. وإلى جانب “مدرسة المشاغبين”، أثرى الجيار خشبة المسرح بأعمال مهمة أخرى منها “أحلام ياسمين” و”لما قالوا دا ولد”.
اشتهر هادي الجيار بعلاقته الهادئة مع جمهوره وابتعاده عن صخب الأضواء، لكنه بقي حاضرًا بقوة في وجدان المشاهدين، خاصةً خلال المواسم الرمضانية. تميز بقدرته الفائقة على تجسيد أدوار الأب والإنسان البسيط بصدق بالغ، ما جعله قريبًا ومحبوبًا لدى الجماهير. وكانت مشاركته في الجزء الثاني من مسلسل “الاختيار” من آخر أعماله، حيث جسّد دور والد الضابط يوسف الرفاعي، في أداء مؤثر حظي بإشادة واسعة.
قبل أيام قليلة من رحيله، كان الفنان الراحل هادي الجيار قد أعلن إصابته بفيروس كورونا المستجد عبر حسابه الرسمي على موقع “فيسبوك”، داعيًا جمهوره للدعاء له. وفي العاشر من يناير 2021، أسلم الروح عن عمر يناهز 71 عامًا، بعد مسيرة فنية حافلة امتدت لما يقرب من خمسة عقود، تاركًا إرثًا فنيًا بارزًا في الدراما والمسرح المصري.








