فن

فيلم Highest 2 Lowest: عودة ثنائية سبايك لي ودينزل واشنطن في صراع بين السينما والمنصات

بعد ضجة كبيرة في مهرجان كان السينمائي، يصل أخيرًا فيلم Highest 2 Lowest إلى الجمهور، ليطرح معه أسئلة ملحة حول مستقبل صناعة السينما. العمل الذي يجمع من جديد بين المخرج الكبير سبايك لي والنجم الأسطوري دينزل واشنطن، يضعنا أمام تحفة فنية ومعضلة عصرية في آن واحد.

شاشة المنصة تبتلع شاشة السينما

عُرض الفيلم لأول مرة في مايو الماضي خارج المسابقة الرسمية لمهرجان كان، وحظي بإشادات نقدية واسعة. لكن المفارقة تكمن في مسار توزيعه؛ فبعد عرض سينمائي محدود للغاية في الولايات المتحدة يوم 15 أغسطس، أصبح الفيلم متاحًا عالميًا عبر منصة Apple TV+ في 5 سبتمبر، وهو ما يعكس انقلابًا هرميًا في عالم العرض السينمائي.

هذه الحالة لم تعد استثناءً، بل أصبحت قاعدة تتبعها كبرى منصات البث الرقمي. أفلام ضخمة إنتاجيًا، تحمل توقيع أسماء بحجم سبايك لي، تُعرض بشكل أساسي على المنصات، مع عرض سينمائي رمزي لا يهدف لجمع الإيرادات بقدر ما يهدف إلى تأهيل الفيلم للمنافسة في سباقات الجوائز الكبرى مثل الأوسكار، التي لا تزال تشترط العرض التجاري في دور العرض.

المنصات الرقمية لا تكترث بشباك التذاكر بقدر اهتمامها بتعزيز مكتبتها الحصرية، فهدفها الأساسي هو جذب مشتركين جدد والحفاظ على ولائهم. ورغم أن Highest 2 Lowest ينتمي بروحه وفنه إلى تاريخ السينما العريق، إلا أن مصيره أصبح مرتبطًا بعالم المنصات الجديد، مما يجعله دراسة حالة مثيرة للاهتمام في هذا الصراع الدائر.

كيمياء لا تخطئها عين بين سبايك لي ودينزل واشنطن

يعود الثنائي سبايك لي ودينزل واشنطن للعمل معًا بعد 9 سنوات منذ فيلم Inside Man، وبعد 33 عامًا على تحفتهما الخالدة Malcolm X. هذا التعاون الخامس بينهما يؤكد على وجود كيمياء فنية فريدة، فـ”لي” يمتلك قدرة مذهلة على استخراج جوانب جديدة ومعقدة من موهبة “واشنطن” الفذة، مانحًا إياه أدوارًا أيقونية تبرز قوته وصلابته كممثل قادر على تجسيد أي شخصية.

منذ صعودهما في أواخر الثمانينيات، شكل الاثنان صوتًا مهمًا في السينما الأمريكية، وتحديدًا سينما الأمريكيين من أصل أفريقي. أفلام مثل Do The Right Thing وMalcolm X لم تكن مجرد أعمال فنية، بل كانت بيانات سياسية واجتماعية جريئة، وهو الإرث الذي يظهر بوضوح في فيلمهما الجديد، حتى وإن كان في قالب بوليسي تشويقي.

مأزق أخلاقي في قلب العاصفة

في فيلم Highest 2 Lowest، يقدم واشنطن شخصية ديفيد كينج، المنتج الموسيقي الأسطوري الذي بنى إمبراطوريته بفضل أذنه الموسيقية الفريدة. لكن مع هيمنة العصر الرقمي، يجد كينج نفسه على حافة الإفلاس، ويخاطر بكل ما يملك في صفقة يائسة لإنقاذ شركته من البيع.

وفي خضم هذه الأزمة المالية، تتلقى حياته ضربة قاصمة باختطاف ابنه المراهق مع صديق طفولته، ابن سائقه الوفي. لكن خطأ غير متوقع من الخاطف يقلب الطاولة؛ حيث يُطلق سراح ابن كينج عن طريق الخطأ، ويصبح ابن السائق هو الرهينة. الآن، يجد كينج نفسه أمام معضلة أخلاقية مميتة: هل يدفع الفدية الضخمة لإنقاذ ابن سائقه، أم يتمسك بثروته لإنقاذ إرثه المهني؟

على خُطى العملاق أكيرا كوروساوا

قد يدرك عشاق السينما الكلاسيكية أن هذه القصة مستوحاة من أحد أعظم الأفلام في التاريخ، وهو فيلم High and Low (الجنة والنار) للمخرج الياباني الراحل أكيرا كوروساوا، الذي أُنتج عام 1963. سبايك لي، الذي سبق وأعاد تقديم فيلم Oldboy الكوري، لا يخفي مصدر إلهامه، بل يشير إليه بوضوح في مقدمة فيلمه.

لكن رحلة القصة أعمق من ذلك، ففيلم كوروساوا نفسه مقتبس عن رواية أمريكية بعنوان King’s Ransom للكاتب إيد ماكبين. ما فعله كوروساوا هو أنه ارتقى بالقصة البوليسية إلى مستوى دراسة سيكولوجية واجتماعية عميقة للصراع الطبقي في اليابان ما بعد الحرب، مع تخصيص جزء كبير من الفيلم لتتبع الإجراءات البوليسية الدقيقة، وهو ما جعل فيلمه مرجعًا أساسيًا في هذا النوع من الأفلام.

أما سبايك لي، فيختار مسارًا مختلفًا. فبدلاً من التركيز على الشرطة، يجعل بطله “كينج” وسائقه ينطلقان في رحلة شخصية لمطاردة الخاطف، مستخدمًا موهبة كينج الموسيقية كأداة لحل اللغز. هذا التغيير يضفي على الفيلم طابعًا دراميًا أكثر إثارة، لكنه يبتعد عن واقعية كوروساوا الصارمة.

بصمة سبايك لي.. نقد أم تشتيت؟

يقوم سبايك لي بتكييف القصة لتناسب عالمه الخاص. فبدلاً من صانع الأحذية في فيلم كوروساوا، يصبح البطل منتجًا موسيقيًا، مما يفتح الباب لاستكشاف عالم موسيقى “الراب” وثقافة الأمريكيين الأفارقة. الخاطف هنا ليس مجرد فقير حاقد، بل هو فنان غاضب يسعى للشهرة والاعتراف بأي ثمن، وهو ما يُترجم في مشهد حواري فريد مكتوب بالكامل بأسلوب “الراب”.

هذه التغييرات، وإن كانت ذكية وتخدم رؤية المخرج، إلا أنها قد تخفف من حدة النقد الطبقي الذي كان جوهر تحفة كوروساوا. فبينما كان فيلم كوروساوا صرخة ضد الفجوة الطبقية، يبدو أن فيلم سبايك لي يركز أكثر على الصراعات الفردية والشخصية داخل مجتمع معين. وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا: هل نجح الفيلم في تقديم مغزى جديد، أم أنه مجرد عمل ممتع ومتقن الصنع يفتقد لعمق الأصل؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *