فن

فيلم ’50 متر’ بمهرجان الجونة: قراءة في ‘محاكمة الأب’ وتساؤلات الوجود

السينما المصرية تُعيد تعريف علاقة الأبناء بالآباء في ظل التحولات العالمية

كاتبة ومراسلة إخبارية في منصة النيل نيوز، متخصصة في قسم الفن.

في خضم توترات عالمية متصاعدة وتحديات اقتصادية ما بعد الجائحة، تتساءل السينما الدولية والمصرية عن دور الأب، ليس فقط كشخصية، بل كرمز للسلطة والحماية والسند. هذا التساؤل، الذي طرحته شخصية الأب/المخرج في فيلم Sentimental Value للمخرج يواكيم تيرير ضمن اختيارات مهرجان الجونة الثامنة، يجد صداه بقوة في الإنتاجات السينمائية الحالية.

تُعد تيمة محاكمة الأب الأكثر حضورًا وتأويلاً ضمن برنامج المهرجان، وتعكس حالة غضب أو تساؤل عامة تجاه هذا الكيان، سواء كان يمثل السلطة أو الإله أو الذراع الحامي. هذا التوجه السينمائي يُقدم رؤية عميقة للعلاقات الأسرية في زمن مضطرب، حيث يبحث الأبناء عن إجابات أو على الأقل فهم لدور الآباء في عالم متغير.

أفلام مصرية تعمق مفهوم ‘محاكمة الأب’

شهدت الدورة الثامنة لمهرجان الجونة عروضًا إقليمية لخمسة أفلام مصرية، عُرضت عالميًا لأول مرة في مهرجانات مرموقة مثل برلين وكان وتورنتو. هذه الأفلام تتشكل بنيتها النفسية والعاطفية عبر العلاقة المعقدة مع الآباء، سواء كانوا حاضرين أو غائبين، وتُقدم تأويلات متنوعة لهذه العلاقة.

من بين هذه الأفلام: “المستعمرة” لمحمد رشاد، و”كولونيا”، و”الحياة بعد سهام”، و“50 متر” ليمنى خطاب، و”عيد ميلاد سعيد”. تتوزع هذه الأعمال بين الروائي والوثائقي، حيث “المستعمرة” و”كولونيا” و”عيد ميلاد سعيد” روائية، بينما “سهام” و”50 متر” وثائقية، وتُعد أربعة منها أعمالًا طويلة أولى لمخرجيها.

يُعتبر “المستعمرة” أول فيلم روائي طويل لمحمد رشاد بعد وثائقي “النسور الصغيرة”، و”كولونيا” الأول لمحمد صيام، و”عيد ميلاد سعيد” لسارة جوهر، و”50 متر” الوثائقي الطويل الأول ليمنى خطاب. أما “سهام” فيُعد استكمالًا لمشروع نمير الذي بدأه بفيلمه “العذراء والأقباط وأنا”، مستكشفًا أسئلة الوجود والهوية مع الأب عبد المسيح بعد رحيل الأم سهام.

في “المستعمرة”، يغيب الأب العامل إثر حادث غامض، ويسعى ابنه الأكبر لكشف الحقيقة عبر العمل في المصنع، لكنه يجد نفسه في متاهة من الأسرار والفساد. ورغم غيابه المادي، فإن أثره وحجم الفراغ الذي تركه يظل جاثمًا على صدر ابنيه وأرملته. أما في “كولونيا”، فتُطرح أسئلة حول الليلة الأخيرة في حياة الأب، عبر استعادات من ذاكرة ابنه الأصغر الذي يكرهه، وسط شكوك حول رحيله المفاجئ.

’50 متر’: محاكمة الأب بهدوء وحميمية

يُقدم فيلم “50 متر” ليمنى خطاب مقاربة مختلفة لـ محاكمة الأب، تتسم بالهدوء والنعومة والحميمية، مُذكرًا بسؤال الفيلم النرويجي: لماذا الجميع غاضبون من الأب، رغم أنه جميل؟ هنا، تحاول يمنى البحث عن إجابات لأسئلة ملحة على روحها الصغيرة: ما معنى الدفء الأبوي؟ وهل الأب كيان أم حالة؟ وكيف يمكن تصور العالم بدونه؟

تبدأ يمنى فيلمها بفيديو منزلي من أرشيف والدها في عيد ميلادها بالتسعينيات، وكأنها تُعلن ميلادها الفني أمام كاميرا الأب أكرم، الذي نتعرف على صوته وهو يوجهها في رقصاتها الطفولية. هذا الاختيار الحساس والشاعري يُشير إلى أن علاقتها بالسينما بدأت من تلك اللحظة، عندما نظر إليها والدها عبر كاميرا الفيديو المنزلية.

يُقدم الفيلم بناءً شكليًا فريدًا يعتمد على الفيلم داخل الفيلم، حيث تُصور المخرجة نفسها وهي تُصور والدها في النادي أثناء تمرينات الأيروبكس المائي. هذا المستوى الأول يكشف عملية التصوير بكاميراتها وميكروفوناتها، في كسر إيهام واضح ومقصود، بينما المستوى الثاني هو الفيلم نفسه الذي تُصوره يمنى، أي اللقاءات والمشاهد التي تُشكل متن فيلمها الأساسي.

هذا التداخل البصري يُشير إلى أن جذور علاقة يمنى بالسينما بدأت مع تصوير والدها المستمر لها وهي صغيرة، مما علمها حب الكاميرا واعتبار عالمها يتشكل من خلالها. الأب نفسه يعترف برغبته في أن يكون مخرجًا، ويظهر في الأرشيف المنزلي وهو يُخرج فيلم جريمة طفوليًا لأبنائه، مما يُعزز فكرة التوارث الفني.

الفيلم كمرآة للذات وتساؤلاتها

يُمكن قراءة هذا الاختيار الفني أيضًا كطريقة ليمنى لتشعر بالاطمئنان في وجود الكاميرا، كأن هناك من يسمعها ويراها. تظهر في مشاهد هامة تتحدث أمام الكاميرا في غرفة تغيير الملابس، مُحولة التعليق الصوتي إلى مونولوج حواري مباشر مع الجمهور، كاشفة عن مخاوفها وهواجسها.

تُصنع يمنى فيلمًا عن محاولتها صناعة فيلم عن أسئلتها الخاصة، مُستعينة بأهم شخص في حياتها: الأب. تستدرجه وتراوغه وتهاجمه بأسئلة وجودية تُؤرقها: لماذا لم تحضر دفنة أبيك؟ لماذا لا تحب أعياد الميلاد؟ هل أنت سعيد بالإنجاب؟ هل تدري إلى أي حد أنا أشعر بالخوف من المستقبل؟ هل يمكنني أن أستبدلك بابن عندما تغيب؟

هذه الأسئلة تعكس رغبة ملحة في أن يُطمئن الفيلم صانعته، حتى لو لم يُجب عليها، وتُشارك بها الأب والجمهور على حد سواء. يُلامس هذا البوح العديد من المتلقين، بغض النظر عن علاقتهم بالأب، سواء كان فكرة أو حالة أو كيانًا، مما يجعل الفيلم تجربة إنسانية عميقة.

يُبرز الفيلم هاجس المخرجة المخيف بفقدان والدها أثناء التصوير، وهو خوف وجودي مستقر من فكرة غياب الكيان الأكثر احتواءً وطمأنةً لها. هذا الهاجس يُفسر ربما اختيارها لصناعة فيلم عن محاولتها صناعة فيلم، كأنها تُؤمن نفسها وتراوغ الموت أو الفقد أو القدر، في محاولة للسيطرة على السرد في مواجهة المجهول.

فيلم نفسي وشفاف وذاتي

على الرغم من أن يمنى كانت لديها فرصة رائعة لصناعة فيلم عن شخصية والدها الجذابة والغامضة، إلا أنها اختارت أن تُصنع فيلمًا عنها، عن أسئلتها ومخاوفها وهواجسها. تُسقط هذه الأسئلة على شخصية الأب، ليس من خلال تيمة محاكمة الأب التقليدية، بل عبر سؤال الغضب الطفولي: لماذا يبدو العالم على هذا الشكل؟ وكيف أتعامل معه وأنا لا أزال غير مدركة لذاتي؟

في حديثهما عن نوبات الفزع، يطلب الأب من يمنى تخفيف الكلمة إلى قلق، فتستجيب. لكنه يعود ليسألها عن استمرار هذه النوبات، مُظهرًا اهتمامه الحقيقي بصغيرته، ورغبتها هي في أن تشعر باهتمامه حتى بعد أن تجاوزت الخامسة والثلاثين. هذا الحوار يكشف عن عمق العلاقة وشفافيتها.

يُعد هذا الفيلم نفسيًا وشفافًا وذاتيًا للغاية، مما يُحسب له في قدرة صانعته على البوح والإفصاح والسؤال أمام الجميع. في المشاهد الأخيرة، تجمع يمنى أصدقاء والدها ليروا النسخة الأولية من الفيلم، مُحافظة على شكل الفيلم داخل فيلم، وتتقبل تعليقاتهم وملاحظاتهم بروح منفتحة.

لقد أصبح لديها ما يتحدث بالنيابة عن مخاوفها وهواجسها، حتى لو ظلت أسئلتها مُعلقة. يُظهر المشهد الأخير يمنى ووالدها يطفوان على سطح حمام السباحة، في مجاز شعري لطيف، لا تطول أقدامهما الأرض، مُتشبثين بما يجعلهم عائمين وقادرين على تبادل الحديث. ثم يصعد الأب من الماء، تاركًا يمنى بمفردها، مُعلقة فوق الماء، طافية كأسئلتها، شاردة في الإجابات التي لم تأتِ.

تُقدم يمنى نهاية متعددة، فبعد مشهد الأب الذي يصعد من الماء تاركًا إياها، تُتبع هذا بمشهد آخر تظهر فيه مجددًا في الماء، وكأنها تُكرر العوم فوق أسئلتها، ربما لتأكيد المعنى أو الدوران في دائرته الأبدية. ثم تُكمل بنهاية ثالثة، وهي استعادة أخيرة لأرشيف الفيديوهات المنزلية، تمامًا كما بدأت مشهدها الأول.

هذا البناء الفيلمي الدائري يُشير إلى رغبة في اتصال مستمر كدائرة لا تنتهي، ربما دائرة الزمن أو محصلة المشاعر التي أنتجتها التجربة. كأنها كانت وستظل الفتاة الصغيرة التي ولدت أمام كاميرا أبيها، وستظل معه في طفولتها ما دامت شرائط الفيديو المنزلية موجودة، وهو معها بصوته الدافئ التوجيهي المحيط بها.

قد يُسبب هذا التعدد في مشاهد النهاية شعورًا بـ انتكاسة ما بعد الذروة (Anti-Climax)، خاصة مشهد السباحة بمفردها بعد صعود الأب. يُمكن تفسير ذلك بأن المخرجين في أعمالهم الأولى قد يلجأون إلى التكرار للتأكيد على المعنى، أو يتصورون وجود أكثر من دلالة لكل مشهد، فيُحافظون عليها جميعًا دون الانتباه إلى أن قوة التأثير تضعف بالتكرار.

في الختام، يُعد فيلم “50 متر” عملًا مرهفًا ينضم إلى مجموعة الأفلام التي تُحاكم الأب هذا العام، لكنه يتميز بأنه ليس فيلمًا غاضبًا، بل متصالحًا مع كل ما يمثله هذا الكيان الكبير، سواء في حضوره المُطمئن أو غيابه المخيف. إنه دعوة للتأمل في عمق العلاقات الأسرية وتأثيرها على تشكيل الذات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *