فن

فيلم “البحر”: رسالة سلام إسرائيلية تتجه للأوسكار وتصطدم بواقع سياسي متشدد

بين حلم طفل فلسطيني برؤية البحر وغضب الحكومة الإسرائيلية، كيف يعكس فيلم "البحر" صراع الروايات في طريقه إلى الأوسكار؟

في خضم واقع سياسي يزداد قتامة، يبرز فيلم “البحر” الإسرائيلي كصوت فني يسعى لإعادة الاعتبار للتعاطف الإنساني، حاملاً معه ترشيح إسرائيل الرسمي لجوائز الأوسكار لعام 2026. الفيلم، الذي يروي قصة فتى فلسطيني يحلم بالوصول إلى البحر، لا يقدم مجرد سرد سينمائي، بل يعكس صراعًا داخليًا عميقًا في إسرائيل بين الفن والسياسة.

رمزية البحر في زمن الحواجز

تدور أحداث الفيلم حول “خالد”، فتى فلسطيني من سكان الضفة الغربية المحتلة، الذي يقرر خوض رحلة محفوفة بالمخاطر بمفرده نحو الشاطئ الإسرائيلي بعد منعه عند حاجز عسكري من الانضمام لرحلة مدرسية. هذه الحبكة البسيطة في ظاهرها تحمل دلالات سياسية واجتماعية معقدة، إذ يرمز البحر إلى الحرية والأفق المفتوح، وهو ما يفتقده جيل كامل من الفلسطينيين الذين نشأوا تحت ظل الاحتلال والقيود على الحركة.

لا يقتصر الفيلم على رحلة الفتى، بل يمتد ليصور معاناة والده، العامل في إسرائيل دون تصريح، الذي يخاطر بكل شيء للبحث عن ابنه. يرى مراقبون أن هذا الخط الدرامي يسلط الضوء على التكلفة البشرية للواقع السياسي، محولاً الأرقام والإحصائيات إلى قصص إنسانية مؤثرة قد تجد صدى لدى جمهور لم يعد يكترث بالخطاب السياسي التقليدي.

صراع الروايات.. الفن في مواجهة الحكومة

جاء فوز “البحر” بجائزة أوفير، أرفع الجوائز السينمائية في إسرائيل، ليمثل نقطة تحول، حيث أهّله تلقائيًا لتمثيل البلاد في الأوسكار. لكن هذا النجاح قوبل برفض رسمي حاد، إذ ندد به وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهر، وسحب التمويل الحكومي عن حفل الجوائز، معتبرًا أن الفيلم يقدم صورة سلبية عن الجيش الإسرائيلي. يعكس هذا الموقف مدى حساسية السردية المتعلقة بالأمن والجيش لدى الحكومة الحالية، التي تُعد الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل.

في هذا السياق، يقول المحلل الثقافي، د. أمجد العطوان، لـ”نيل نيوز”: “إن ترشيح فيلم مثل ‘البحر’ لا يعكس فقط جودة العمل الفني، بل يمثل أيضًا تحديًا للرواية الرسمية التي تسعى الحكومة لترسيخها. إنه يظهر وجود تيار فني ومجتمعي في إسرائيل لا يزال يؤمن بالحوار والتعايش، وهو صوت تحاول المؤسسة السياسية إخفاءه”.

رسالة أمل في مناخ متشائم

يأمل مخرج الفيلم، شاي كارميلي بولاك، وهو ناشط سلام معروف، أن ينجح عمله في “فتح قنوات جديدة من التعاطف والحب” بين الشعبين. ويشاركه في هذه الرؤية المنتج الفلسطيني الإسرائيلي، باهر إغبارية، الذي يرى أن توقيت عرض الفيلم، رغم قسوة الظروف الراهنة، يجعله أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأنه يدعو إلى “الإصغاء لقصص الآخرين”.

يأتي ترشيح “البحر” بعد فوز الفيلم الوثائقي الإسرائيلي الفلسطيني “لا أرض أخرى” بجائزة في حفل الأوسكار لعام 2025، والذي أثار غضبًا حكوميًا مشابهًا لتناوله قضية تهجير الفلسطينيين. يبدو أن السينما الإسرائيلية المستقلة باتت منصة دولية لتقديم روايات بديلة تتجاوز الخطاب الرسمي، وتصل إلى جمهور عالمي متعطش لفهم أعمق لتعقيدات الصراع.

في المحصلة، فإن رحلة فيلم “البحر” إلى هوليوود تتجاوز كونها منافسة على جائزة سينمائية مرموقة. إنها تمثل اختبارًا لقدرة الفن على بناء الجسور في وقت تُشيّد فيه الجدران، وتجسيدًا حيًا للانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي بين رؤية تتمسك بالوضع الراهن، وأخرى ما زالت تحلم بمستقبل مختلف قائم على السلام والمساواة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *