فولكس فاجن ID.4: طموح كهربائي في مهب التحديات
هل تعلمت الشركة الألمانية دروسًا قاسية من تجربتها مع أيقونة السيارات الكهربائية؟

فولكس فاجن ID.4: سيارة كهربائية وُلدت على وعدٍ كبير، لكنها سرعان ما وجدت نفسها في مرمى النقد. لم تكن مجرد سيارة، بل كانت أيقونة جديدة لسعي الشركة الألمانية نحو ريادة عالم السيارات الكهربائية، ومع ذلك، لم ترقَ لتوقعات البداية.
لم تمضِ فترة طويلة حتى اكتسبت ID.4 سمعةً سيئة بسبب مشكلات برمجية متكررة وتصميم داخلي غير عملي أثار استياء مالكيها الأوائل. فأنظمة الترفيه البطيئة، والربط غير الموثوق به مع الهواتف الذكية، وشاشات العرض التي تتعطل فجأة، كانت كلها نقاطًا سوداء في سجل سيارة كان يُفترض أن تكون في طليعة التطور.
هذه العثرات لم تكن مجرد مشكلات تقنية عابرة، بل كانت انعكاسًا لتحدٍ أعمق يواجه صناعة السيارات بأكملها: التحول إلى كونها شركات برمجيات بقدر ما هي شركات تصنيع سيارات. وقد كلفت هذه الأخطاء قسم البرمجيات التابع لفولكس فاجن، “كارياد”، مليارات الدولارات وتسببت في تأخير إطلاق نماذج حيوية مثل بورشه ماكان الكهربائية وأودي Q6 إي-ترون. نتيجة لذلك، اضطرت فولكس فاجن للبحث عن شركاء، فتعاونت مع “ريفيان” لخبرتها في البرمجيات، ومع “إكسبينغ” في الصين لتعزيز قدراتها التقنية. ورغم التحسينات الملحوظة في الإصدارات الأحدث من برمجيات ID.4، فإن التجربة ما زالت بعيدة عن الريادة.
الأمر لم يقتصر على البرمجيات، بل امتد إلى تصميم المقصورة. فالشاشة المركزية الكبيرة قياس 12.9 بوصة، ورغم جودتها وسرعة استجابتها، إلا أن واجهة المستخدم تبدو قديمة. وما زالت أزرار التحكم اللمسية بالصوت ودرجة الحرارة على لوحة القيادة، وكذلك أزرار عجلة القيادة، تشكل إزعاجًا حقيقيًا للسائق، إذ يسهل الضغط عليها بالخطأ. ناهيك عن تصميم التحكم بالنوافذ الكهربائية الذي يثير الاستغراب، فوجود زرين فقط لفتح النوافذ الأمامية، مع ضرورة النقر على زر إضافي للتحكم بالنوافذ الخلفية، يبدو كقرار غير مبرر لخفض التكاليف في سيارة بهذا السعر. وهي مشكلة لطالما عانى منها المستهلكون في سيارات أقل فئة، وتكرارها هنا يثير تساؤلات حول أولويات التصميم.
لحسن الحظ، يبدو أن فولكس فاجن قد أدركت هذه الأخطاء، إذ ستعود التصميمات التقليدية لأزرار النوافذ وعجلة القيادة في طرازات ID.Polo المستقبلية، مع إضافة لمسات حنين للماضي مثل شاشة عرض الموسيقى التي تحاكي مشغل الكاسيت القديم.
على الجانب الآخر، تظل ID.4 ممتعة بشكل مفاجئ خلف عجلة القيادة، خاصةً في نسخة الدفع الرباعي “برو إس” التي اختبرتها. بقوة 335 حصانًا وعزم دوران يتجاوز 400 رطل-قدم، تقدم السيارة تسارعًا قويًا ومباشرًا، لا يتراجع إلا عند سرعات تتجاوز الحدود القانونية. وتحتفظ السيارة بصلابة وثبات السيارات الألمانية المعهودة. تشعر بهذا الاستقرار على الطرق السريعة، مع تحكم ممتاز بالهيكل عند المنعطفات، على الرغم من وزن البطارية الكبير. نظام التعليق يمتص معظم المطبات، وإن كانت الصدمات الحادة قد تصل إلى المقصورة أحيانًا، لكن السيارة لا تبدو أبدًا غير متماسكة أو خارجة عن السيطرة.
تعتمد ID.4 على منصة MEB الخاصة بمجموعة فولكس فاجن، وهي منصة أثبتت كفاءتها على مر السنين، بل إنها تستخدم أيضًا في سيارات فورد إكسبلورر وكابري الكهربائية في أوروبا، ما يؤكد مرونتها. وتأتي النسخة الأمريكية الأحدث من ID.4 ببطارية سعة 82 كيلووات-ساعة (77 كيلووات-ساعة قابلة للاستخدام)، توفر مدى يتراوح بين 263 و291 ميلًا حسب الفئة. ورغم كفايته، إلا أن هذا المدى يبدو متواضعًا الآن مقارنة بالعديد من المنافسين الجدد الذين يتجاوزون 300 ميل، بل و400 ميل في الفئات الفاخرة. خلال فترة الاختبار، ومع درجات حرارة معتدلة نسبيًا (حوالي 4 درجات مئوية)، سجلت السيارة كفاءة تتراوح بين 2.8 و3.3 ميل لكل كيلووات-ساعة، وهو رقم جيد يوضح تأثر المدى بالظروف البيئية، وهي نقطة مهمة يجب على أي مشترٍ في بلد ذي تقلبات جوية، مثل مصر، أن يضعها في اعتباره.
فيما يتعلق بالشحن، توفر فولكس فاجن حزمة شحن مجانية لمدة عامين في محطات Electrify America، وهي ميزة مغرية. ومع ذلك، فإن السيارة لا تستطيع الاستفادة الكاملة من محطات الشحن فائقة السرعة بقوة 350 كيلووات، حيث يبلغ أقصى معدل شحن لها 170 كيلووات. وعلى الرغم من أن الشحن من 10% إلى 80% يستغرق حوالي 30 دقيقة، وهو مقبول، إلا أنه ليس الأفضل في فئته. فسيارات مثل هيونداي أيونيك 5 وكيا EV6 تتفوق عليها، حيث يمكنها تحقيق نفس النسبة في أقل من 20 دقيقة. لم تُزود ID.4 بعد بمنفذ الشحن NACS الخاص بـ “تسلا”، لكنها تستطيع الوصول إلى أكثر من 25 ألف محطة شحن “سوبرتشارجر” التابعة لـ “تسلا” باستخدام محول. هذه المرونة في الشحن تجعلها أكثر ملاءمة للرحلات الطويلة، وهو أمر حيوي لازدهار السيارات الكهربائية في أسواق لا تزال البنية التحتية فيها قيد التطوير، كبعض الدول العربية.
من المقرر أن تحصل ID.4 على تحديث شامل هذا العام، وقد يُعاد تسميتها إلى ID.Tiguan، لتقترب أكثر من شقيقتها التي تعمل بالوقود، تيغوان، والتي كانت السيارة الأكثر مبيعًا لفولكس فاجن في الولايات المتحدة العام الماضي بأكثر من 78 ألف وحدة. ورغم بدايتها المتعثرة، لم تفشل ID.4 تمامًا. فقد باعت فولكس فاجن أكثر من 22 ألف وحدة العام الماضي، بزيادة 31% عن العام الذي سبقه، لكن مبيعاتها تراجعت بعد انتهاء الحوافز الحكومية في الربع الثالث، وهي مشكلة عانت منها صناعة السيارات الكهربائية بأكملها.
لكن السؤال الأهم يتعلق بالقيمة مقابل السعر. بسعر يبدأ من 2,250,000 جنيه مصري (ما يعادل 45,000 دولار) قبل احتساب مصاريف الشحن، تبدو ID.4 الحالية غير تنافسية. النسخة التي اختبرتها، “برو إس”، مع حزمة “بلاك باكيدج” الرياضية التي تُضفي لمسة داكنة على العجلات والمرايا ومقابض الأبواب بتكلفة 35,000 جنيه مصري (700 دولار)، وصل سعرها إلى حوالي 2,813,250 جنيه مصري (56,265 دولار). بهذا السعر، يمكن للمشتري أن يتجه نحو خيارات أكثر فخامة وتجهيزًا، مثل كاديلاك أوبتيك، أو سيارة ذات شحن أسرع كـ هيونداي أيونيك 5، أو حتى تسلا موديل Y بمدى أطول وبسعر أقل بآلاف الجنيهات. وهذا يجعل ID.4، رغم كونها سيارة جيدة ومرحبة، خيارًا فقيرًا من حيث القيمة في عام 2026.
إن ID.4 سيارة فسيحة وممتعة في القيادة، وأكثر ملاءمة للرحلات الطويلة من أي وقت مضى بفضل الشحن المجاني والوصول إلى محطات تسلا. كما أن برمجياتها أصبحت مقبولة أخيرًا. لكنها بدأت تظهر عليها علامات التقدم في العمر، مع ظهور سيارات كهربائية أحدث وأكثر حداثة وسهولة في الاستخدام. في النهاية، تُمثل ID.4 درسًا ثمينًا لفولكس فاجن حول ما يجب أن تكون عليه السيارات الكهربائية في المستقبل: أكثر سهولة في الاستخدام، أكثر انتشارًا، بمدى أفضل، وشحن أسرع، وبأخطاء أقل. إنها ليست مجرد سيارة، بل هي دليل على استعداد فولكس فاجن للتعلم والتطور. وإذا ما نجحت الشركة في طرازاتها الكهربائية القادمة، فإن ID.4 ستُذكر لا بسبب أخطائها، بل بسبب الدروس التي علّمتها لصانعها.





