تحقيقات أميركية واسعة النطاق تلاحق عملاق التكنولوجيا ‘ميتا بلاتفورمز’، إثر مزاعم خطيرة قدمها متعاقدون سابقون، تشير إلى أن موظفي الشركة لديهم القدرة على الوصول إلى رسائل واتساب، رغم تأكيدات ‘ميتا’ المتكررة بأن الخدمة خاصة وتعتمد التشفير التام بين الطرفين. هذه التطورات، التي كشفت عنها ‘بلومبرغ’ بناءً على مقابلات وتقرير لوكيل تحقيق، تفتح ملف خصوصية المستخدمين مجدداً أمام واحدة من أكبر شركات التكنولوجيا في العالم.
لم تكن تلك المزاعم مجرد همسات عابرة، بل جاءت مدعومة بشهادات من متعاقدين سابقين أكدوا أنهم، وبعض موظفي ‘ميتا’، كانوا يتمتعون بوصول ‘غير مقيد’ إلى رسائل واتساب. هذه القضية، التي باتت قيد الفحص من قبل عملاء خاصين في وزارة التجارة الأميركية، وفقاً لسجلات سلطات إنفاذ القانون، تعيد إلى الأذهان تاريخ ‘ميتا’ الطويل مع قضايا انتهاك الخصوصية، والتي بلغت ذروتها بغرامة قياسية قدرها خمسة مليارات دولار فرضتها لجنة التجارة الفيدرالية عام 2019.
لكن ‘ميتا’ لم تقف مكتوفة الأيدي أمام هذه الاتهامات، بل سارعت بالرد عبر متحدث باسمها، مؤكدة أن مزاعم المتعاقدين ‘مستحيلة’. ويأتي هذا النفي الصريح ليتعارض بشكل مباشر مع الصورة التي تروج بها الشركة لواتساب، كمنصة آمنة تعتمد التشفير الافتراضي من طرف إلى طرف، وهو ما يعني، بحسب الشركة، أنه ‘لا أحد خارج المحادثة، ولا حتى واتساب، يمكنه قراءة أو الاستماع أو مشاركة ما يقوله المستخدم’.
على صعيد التحقيقات الرسمية، أبلغ شخصان كانا يعملان في مراجعة المحتوى لدى واتساب، محققاً من مكتب الصناعة والأمن التابع لوزارة التجارة، بأن بعض موظفي ‘ميتا’ تمكنوا بالفعل من الاطلاع على محتوى رسائل واتساب. هؤلاء المراجعون، الذين عملوا بموجب عقد مع شركة ‘أكسنتشر بي إل سي’ للاستشارات، زعموا أنهم وزملاءهم كان لديهم وصول واسع النطاق إلى محتوى الرسائل، رغم أنها يفترض أن تكون مشفرة وغير قابلة للوصول، في تناقض صارخ مع الوعود المعلنة.
وتكشف وثائق التحقيق، المؤرخة في يوليو 2025، عن تفاصيل صادمة، حيث أكد الوكيل المكلف بالتحقيق أن كلا المصدرين أكدا وجود موظفين داخل مواقع عملهما الفعلية يمكنهم الوصول غير المقيد إلى واتساب. هذا التحقيق، الذي يحمل اسماً رمزياً هو ‘عملية التشفير المستمد من المصادر’ (Operation Sourced Encryption)، لا يزال جارياً، ويثير تساؤلات حول مدى التزام ‘ميتا’ بوعودها للمستخدمين، خاصة وأن أحد مراجعي المحتوى أفاد بأنه تحدث مع موظف في فريق فيسبوك أكد له إمكانية الرجوع إلى رسائل واتساب المشفرة، في قضايا تتعلق بأنشطة إجرامية.
لكن مكتب الصناعة والأمن، الذي يشرف على الرقابة على الصادرات الأميركية، نفى أن تكون ادعاءات موظفه بشأن ممارسات تشفير واتساب مستندة إلى أدلة، مؤكداً أنها تقع خارج نطاق صلاحياته كعميل لإنفاذ قوانين التصدير. هذا الموقف المتضارب يضيف طبقة أخرى من التعقيد للقضية، ويترك الباب مفتوحاً أمام تساؤلات حول الجهة التي ستحمل ‘ميتا’ المسؤولية، في ظل شكوى مماثلة قدمها أحد المبلغين عن المخالفات إلى لجنة الأوراق المالية والبورصات الأميركية في عام 2024.
ولا يقتصر الأمر على التحقيقات الحكومية، فقد تشابهت ادعاءات المتعاقدين السابقين مع تلك الواردة في دعوى قضائية رُفعت في 23 يناير الماضي أمام المحكمة الجزئية الأميركية في سان فرانسيسكو من قبل مجموعة دولية من المدعين. زعمت الدعوى أن ‘ميتا’ وواتساب ‘يخزنان ويحللان ويمكنهما الوصول إلى معظم اتصالات مستخدمي واتساب التي يُفترض أنها خاصة’، مشيرة إلى أن ‘مبلغين عن المخالفات’ ساعدوا في كشف هذه المعلومات، ما يؤكد أن القضية تتجاوز مجرد شكاوى فردية لتصبح تحدياً قانونياً واسع النطاق.
في خضم هذه التطورات، تبرز تصريحات مارك زوكربيرج، الرئيس التنفيذي لشركة ‘ميتا’، الذي شدد مؤخراً على تشفير واتساب. ففي حديث مع مقدم البودكاست جو روجان العام الماضي، قال زوكربيرج: ‘الشيء الجيد جداً في التشفير هو أنه يجعل الشركة التي تدير الخدمة غير قادرة على رؤية المحتوى’، مضيفاً: ‘إذا كنت تستخدم واتساب، وعندما أرسل لك رسالة عبر واتساب، لا توجد أي مرحلة يمكن لخوادم ميتا فيها الاطلاع على محتوى تلك الرسالة’. هذه التأكيدات الصارمة تضع ‘ميتا’ في موقف حرج للغاية، حيث تتناقض تصريحات قيادتها مع ما تكشفه التحقيقات والشهادات، ما يهدد بتقويض ثقة الملايين من مستخدمي واتساب حول العالم.
