يهدد الخرف الملايين حول العالم، لكن الأمل يتجدد مع تطور الفحوصات الطبية. كشفت دراسة جديدة عن إمكانية تحديد المعرضين لخطر الإصابة بالمرض قبل ظهور أي أعراض بنحو 25 عامًا، وذلك عبر تحليل عينة دم بسيطة. خطوة حاسمة نحو التشخيص المبكر في بلد مثل مصر حيث تتزايد أعداد المسنين وتفتقر العديد من المناطق لخدمات الكشف المتخصصة.
التنبؤ المبكر بمثل هذه الأمراض أمر بالغ الأهمية. يتيح الكشف المبكر فترة أطول لتطبيق علاجات وقائية محتملة، ويمنح الأسر فرصة للاستعداد لمتطلبات الرعاية والدعم، كما يدعم الباحثين في فهم أعمق للعمليات البيولوجية للمرض.
أجرى فريق بحثي أمريكي الدراسة على عينات دم لـ 2766 امرأة تتراوح أعمارهن بين 65 و 79 عامًا. كانت جميع المشاركات يتمتعن بصحة عقلية جيدة عند سحب العينات في تسعينيات القرن الماضي. تابع الباحثون حالتهن الإدراكية لمدة تصل إلى ربع قرن.
شكل يوضح فعالية بروتين تاو-217 الفسفوري كمؤشر قوي للتحذير من الخرف. (دراسة Shadyab وآخرون، JAMA Netw. Open، 2026)
بحث الباحثون عن بروتين معين في الدم يُسمى ‘تاو-217 الفسفوري’. ترتبط المستويات المرتفعة من هذا البروتين في الدم بتراكمات بروتينية ضارة في المخ، وتُعد هذه التراكمات علامة مميزة لمرض الزهايمر وأنواع أخرى من الخرف.
ترى الدكتورة ليندا ماك إيفوي، أخصائية الأعصاب بمعهد كايزر بيرمانينتي واشنطن للأبحاث الصحية، أن المؤشرات الحيوية في الدم، مثل بروتين تاو-217، تحمل آمالاً كبيرة. فهي أقل تدخلاً وأسهل في الوصول إليها مقارنة بفحوصات تصوير المخ أو تحليل السائل الشوكي. هذا الجانب يسرع الأبحاث حول عوامل خطر الخرف وتقييم استراتيجيات الوقاية.
لاحظ الباحثون وجود صلة قوية بين ارتفاع مستويات بروتين تاو-217 في الدم وزيادة خطر الإصابة بضعف إدراكي بسيط أو الخرف. لا يعني ارتفاع البروتين حتمية الإصابة بالمرض، لكنه يعد مؤشرًا حيويًا ذا قيمة.
لا يُعد هذا الفحص جديدًا، فقد استُخدم في دراسات سابقة. لكن هذه الدراسة تميزت بفترة متابعة طويلة بشكل غير معتاد، بلغت 25 عامًا، وقدمت تحليلاً للنتائج بناءً على العرق واستخدام المشاركات للعلاج الهرموني.
تفاوتت النتائج بخصوص العلاج الهرموني. أظهر ارتفاع بروتين تاو-217 توقعًا واضحًا للخرف لدى النساء اللواتي استخدمن الإستروجين والبروجستين معًا، لكنه لم يظهر ذلك مع الإستروجين وحده. بالنسبة للضعف الإدراكي البسيط، لم توجد صلة واضحة بين البروتين واستخدام الهرمونات.
أما عن الفروقات العرقية، فقد بقيت الصلة بين ارتفاع البروتين والخرف قائمة لدى النساء البيضاوات والسوداوات على حد سواء. لكن لم تظهر أي علاقة بين ارتفاع مستويات تاو-217 والضعف الإدراكي البسيط لدى النساء السوداوات. يرجح الباحثون أن ذلك قد يعود إلى سوء التشخيص أو أن عوامل الخرف تختلف لديهن.
يقر الباحثون في ورقتهم المنشورة باحتمالية أن تنشأ هذه الفروقات العرقية من عوامل ديموغرافية واختلافات في الأمراض المصاحبة وخصائص أخرى بين المجموعتين لم يتمكنوا من التحكم فيها بالكامل، فضلاً عن صغر حجم عينة النساء السوداوات مقارنة بالبيضاوات.
تأكدت الدراسة أن الصلة بين ارتفاع بروتين تاو-217 والخرف كانت أقوى لدى النساء فوق السبعين عامًا، وكذلك لدى من يحملن الجين الوراثي ‘APOE ε4’ المرتبط بمرض الزهايمر.
فحص الدم لبروتين تاو-217 ليس جاهزًا بعد للاستخدام العام، يتطلب المزيد من الأبحاث. لكن نتائج هذه الدراسة تمثل خطوة مهمة إلى الأمام في فهم كيفية بدء الزهايمر والخرف عمومًا، وكيفية إيقاف تطورهما. تحدٍ علمي لا يزال بعيدًا عن متناول العامة.
يؤكد الدكتور مسعود حسين، طبيب الأعصاب بجامعة أكسفورد (لم يشارك في الدراسة)، أن هذه النتائج تعزز الأدلة المتزايدة على أن فحص بروتين تاو-217 في الدم قد يكون وسيلة حاسمة للكشف عن المعرضين لخطر الخرف قبل سنوات من التشخيص الفعلي.
تُظهر البيانات أن المستويات المرتفعة من بروتين تاو-217 لا تؤدي دائمًا إلى الخرف، رغم احتمال بدء التغيرات المرتبطة بالبروتين في الدماغ. أسباب ذلك تحتاج لمزيد من الدراسة.
يقول الدكتور علاء الدين شادياب، عالم الأوبئة بجامعة كاليفورنيا بسان دييغو، إن دراستهم تشير إلى إمكانية تحديد النساء المعرضات لخطر الخرف قبل عقود من ظهور الأعراض. يفتح هذا الكشف المبكر الباب أمام استراتيجيات وقائية مبكرة ومتابعة موجهة، بدلاً من الانتظار حتى تؤثر مشاكل الذاكرة على الحياة اليومية.
نشرت هذه الأبحاث في مجلة JAMA Network Open الطبية.
