عرب وعالم

غياب نتنياهو عن قمة شرم الشيخ: حسابات داخلية وتداعيات دبلوماسية

على الرغم من دعوة الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب، اختار رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عدم المشاركة في قمة السلام التي استضافتها شرم الشيخ. هذا الغياب اللافت، الذي برره مكتبه بقرب حلول العيد، يثير تساؤلات عميقة حول خلفياته الحقيقية وتداعياته المحتملة على المشهد السياسي والدبلوماسي.

لم يكن قرار غياب نتنياهو مجرد تفضيل شخصي، بل يبدو أنه نتاج اعتبارات متعددة تتجاوز التبرير الرسمي. فالمشهد السياسي الإقليمي والدولي، إلى جانب الضغوط الداخلية، فرضت تحديات ربما جعلت الحضور في القمة محفوفًا بالمخاطر السياسية والدبلوماسية.

خلفيات الغياب: أسباب معقدة

كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية أن التبرير الرسمي لغياب نتنياهو عن قمة شرم الشيخ كان قرب حلول العيد. إلا أن مصادر مطلعة تشير إلى وجود اعتبارات أخرى أعمق، منها الخشية من الإحراج الدبلوماسي، وتأثير أي إنجازات محتملة على أولويات أجندته الداخلية، فضلاً عن تبعات ذلك على دعم قاعدته الشعبية.

هذا القرار، الذي لا تتضح أبعاده بالضرورة، يحمل في طياته تداعيات سلبية وإيجابية، لا سيما في الجوانب السياسية والدبلوماسية. ففي الوقت الذي كان فيه الحضور فرصة لتعزيز مكانة إسرائيل، فإن الغياب قد يكون قد حال دون مواجهة مواقف صعبة أو دفع أثمان سياسية لا يرغب نتنياهو في تحملها.

الضغوط الداخلية وتحديات اليمين المتطرف

يسود بين اليمين الإسرائيلي المتطرف، الذي يشكل جزءًا أساسيًا من الائتلاف الحاكم، شعور بالإحباط. هذا الإحباط نابع من انتهاء الحرب في غزة دون الوفاء بالوعود بتفكيك حركة حماس أو إعادة إعمار القطاع بمعزل عن مشاركة السلطة الفلسطينية.

كان من الممكن أن يؤدي حضور نتنياهو في القمة، وخاصةً إلى جانب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، إلى أزمة داخلية جديدة داخل ائتلافه. ورغم أن السفر في أيام العيد ليس سابقة بالنسبة لنتنياهو، إلا أن الظروف السياسية الحالية ربما جعلت أي خطوة كهذه محفوفة بالمخاطر.

تداعيات الغياب على مكانة إسرائيل الدولية

من ناحية أخرى، لم يسهم غياب نتنياهو عن هذه القمة الدولية، التي حضرها قادة إقليميون وأوروبيون بارزون، في تعزيز مكانة إسرائيل في العالم. فالدولة العبرية شهدت تزايدًا في عزلتها الدبلوماسية خلال العامين الماضيين، وهذا الغياب قد يكون قد عمّق هذا الشعور.

ساهم غياب نتنياهو، إلى جانب حضور الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في إضعاف موقف إسرائيل إلى حد ما، ووضعها في مقارنة غير مواتية مع حركة حماس. هذا القرار، الذي برر رسميًا بقرب عطلة رأس السنة، يبدو أنه كان مدفوعًا باعتبارات أخرى أعمق.

ربما خشي نتنياهو أن تُساق إسرائيل إلى مسار دبلوماسي قد يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية أو حلول أخرى لا تتوافق مع رؤيته السياسية. هذه الخشية من التنازلات المحتملة كانت على الأرجح دافعًا رئيسيًا وراء قراره بالبقاء بعيدًا عن الأضواء الدبلوماسية في شرم الشيخ.

تجنب الإحراج الدبلوماسي والسياسي

قد يكون أحد الأسباب الكامنة وراء غياب نتنياهو هو رغبته في تجنب أي إحراج محتمل في الساحة السياسية. سواء كان ذلك خوفًا من مواجهة علنية مع قادة قد لا يكنون له الاحترام، أو احتمال رفض بعض القادة مصافحته أو الاقتراب منه علنًا، فإن هذه السيناريوهات كانت لتشكل تحديًا كبيرًا.

حتى مجرد التقاط صورة مشتركة بجانب أبو مازن (محمود عباس) كان أمرًا غير مقبول سياسيًا بالنسبة لنتنياهو، خاصة وأن السلطة الفلسطينية تقود معركة دبلوماسية شرسة ضد إسرائيل في الأمم المتحدة والمحاكم الدولية. هذا التباعد يعكس عمق الخلافات وعدم الرغبة في إظهار أي تقارب.

ورغم امتناع ترامب عن اتخاذ موقف واضح من قضية الدولة الفلسطينية، إلا أن جميع القادة الحاضرين في القمة يؤكدون أن الدولة الفلسطينية هي الحل الوحيد لهم عاجلاً أم آجلاً. وكان حضور نتنياهو في القمة سيوحي بأن إسرائيل تتبنى هذا التوجه، إلى حد ما، وهو ما كان ليثير حفيظة قاعدته اليمينية.

فرصة ضائعة وثمن باهظ

يبدو أن قرار نتنياهو بعدم حضور قمة شرم الشيخ كان خطأً فادحًا من الناحية الدبلوماسية. فبالرغم من أن المؤتمر برمته كان عرضًا فرديًا لترامب، الذي أغدق المديح والشكر على مختلف الأطياف، إلا أن حضور نتنياهو كان من شأنه أن يجعله شريكًا رئيسيًا.

كانت القمة لتكون فرصة لبداية استعادة العلاقات مع دول أوروبية مثل فرنسا وبريطانيا وغيرها، التي تدهورت علاقاتها مع إسرائيل مؤخرًا. لكن نتنياهو اختار البقاء في مكانه تفاديًا لدفع ثمن سياسي فوري، لكن الثمن السياسي والدبلوماسي قد يكون باهظًا على المدى البعيد.

هذا القرار يظهر أولويات نتنياهو بدقة؛ فقد أضاع فرصة للظهور كجزء من الحل، بل ترك انطباعًا بأن إسرائيل قد تكون جزءًا من المشكلة. ورغم أن خطاب ترامب في الكنيست آنذاك جسد هذا التناقض بوضوح، حيث أغدق المديح على نتنياهو كـ”قائد حرب ممتاز”، إلا أنه وجه رسالة واضحة وموجزة: “حان الوقت لوقف الحروب، والتصرف بأدب، وإحلال السلام”.

قدم الرئيس الأمريكي رؤية للتطبيع الإقليمي، لكنه ألمح أيضًا إلى أن نتنياهو سيُطلب منه دفع أثمان لا يرغب في دفعها. هذا التناقض بين الثناء والدعوة للسلام يوضح المعضلة التي واجهها نتنياهو، والتي أدت في النهاية إلى قراره بالغياب عن قمة شرم الشيخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *