غواصة سول النووية.. طموح استراتيجي يصطدم بـ«صنع في أمريكا»
جدل الغواصة النووية الكورية.. هل تبنيها سول أم واشنطن؟ وماذا يعني ذلك لأمن آسيا؟

في خطوة تعكس طموحاتها العسكرية المتنامية، تسعى كوريا الجنوبية للحصول على غواصة تعمل بالطاقة النووية، لكن هذا المسعى الاستراتيجي أثار جدلاً دبلوماسيًا مع حليفتها الرئيسية، الولايات المتحدة، حول تفاصيل جوهرية تتعلق بمكان التصنيع وتوفير الوقود النووي.
طموحات كورية وتصريحات أمريكية متضاربة
كشف مسؤول في مكتب الرئاسة الكورية الجنوبية، الجمعة، أن الرئيس لي جيه ميونج أبلغ نظيره الأمريكي السابق دونالد ترامب، خلال قمة جمعتهما الأسبوع الماضي، عزم بلاده بناء الغواصة محليًا. ويكمن جوهر الطلب الكوري في الحصول على مساعدة واشنطن لتوفير اليورانيوم المخصب اللازم كوقود، وهو ما يمثل تحديًا للاتفاق النووي القائم بين البلدين الذي يفرض قيودًا على قدرة سول في تخصيب اليورانيوم لأغراض عسكرية.
لكن الرواية الأمريكية تبدو مختلفة تمامًا. ففي تصريحات أثارت ارتباكًا في سول، أعلن ترامب عبر منصته “تروث سوشيال” أنه وافق على بناء الغواصة في حوض بناء سفن مملوك لكوريا الجنوبية، ولكن في مدينة فيلادلفيا الأمريكية. وقد أكدت متحدثة باسم البيت الأبيض هذا التوجه، مما يضع الرغبة الكورية في التصنيع المحلي في مواجهة مباشرة مع الرؤية الأمريكية.
أبعاد استراتيجية تتجاوز حوض البناء
يرى مراقبون أن هذا الخلاف لا يتعلق فقط بمكان بناء الغواصة، بل يمس عمق التحالف الاستراتيجي بين البلدين. فبناء الغواصة النووية محليًا يمثل قفزة نوعية في القدرات الدفاعية والصناعية لكوريا الجنوبية، ويعزز من استقلاليتها العسكرية في مواجهة تهديدات كوريا الشمالية المتزايدة والتوازنات المعقدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. بالمقابل، قد تفضل واشنطن إبقاء عملية التصنيع والوقود تحت إشرافها المباشر لضمان السيطرة على التكنولوجيا الحساسة والالتزام ببروتوكولات منع الانتشار النووي.
وفي هذا السياق، يقول المحلل السياسي الدكتور أحمد فوزي، المتخصص في الشؤون الآسيوية، لـ”نيل نيوز”: “إن امتلاك غواصة نووية سيغير قواعد اللعبة بالنسبة لسول، لكن الخلاف الحالي يختبر حدود الثقة داخل التحالف. فبينما تسعى كوريا الجنوبية لترجمة قوتها الاقتصادية إلى نفوذ عسكري، تحاول واشنطن الموازنة بين تمكين حلفائها والحفاظ على هيمنتها التكنولوجية والاستراتيجية”.
مستقبل المشروع في ظل التجاذب
أثارت تصريحات ترامب جدلاً حادًا داخل كوريا الجنوبية، حيث دعا مشرعون إلى ضرورة بناء الغواصة على الأراضي الكورية لتعزيز الصناعات الدفاعية الوطنية. ويبدو أن الكرة الآن في ملعب الدبلوماسيين والخبراء العسكريين من كلا البلدين للتوصل إلى صيغة توفيقية ترضي طموحات سول الأمنية، دون أن تتجاوز الخطوط الحمراء التي تضعها واشنطن فيما يتعلق بالتكنولوجيا النووية.
وفي المحصلة، فإن مشروع الغواصة النووية الكورية الجنوبية لم يعد مجرد صفقة عسكرية، بل أصبح مؤشرًا دقيقًا على مستقبل التحالف الأمريكي الكوري. وسيكشف مسار المفاوضات المقبلة ما إذا كان هذا التحالف قادرًا على التطور لاستيعاب طموحات شريك آسيوي صاعد، أم أنه سيظل محكومًا بالقواعد التقليدية التي أرستها واشنطن منذ عقود.









