عرب وعالم

غواصات الصين تهدد عرش أمريكا في أعماق البحار.. سباق تسلح يغير موازين القوى العالمية

في صراع العروش بين القوى العظمى، يبدو أن معركة الهيمنة البحرية قد انتقلت إلى الأعماق السحيقة للمحيطات. فرغم أن البحرية الصينية تمتلك بالفعل أكبر أسطول حربي في العالم من حيث العدد، لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بتفوق نوعي كاسح، خاصة في عالم حاملات الطائرات والغواصات النووية.

لكن أحدث التقارير الاستخباراتية والعسكرية تدق ناقوس الخطر في واشنطن، مشيرة إلى أن التنين الصيني يوشك على سد هذه الفجوة بسرعة مذهلة، وتحديدًا في ميدان حرب الغواصات الذي كان حكرًا على التفوق الأمريكي لعقود طويلة.

معادلة القوة تتغير في المحيط الهادئ

يشير المحللون إلى أن التقدم الصيني المتسارع في تكنولوجيا الغواصات قد يعيد رسم خريطة ميزان القوى في منطقة المحيطين الهندي والهادئ بأكملها. وبحلول عام 2030، من المتوقع ألا تتفوق الصين عدديًا فحسب، بل ستصبح غواصاتها أكثر هدوءًا وشبحية، وأسرع، ومحملة بترسانة أسلحة متطورة وأجهزة استشعار فائقة الدقة، مما يمثل تحديًا مباشرًا للهيمنة الأمريكية.

وتأتي هذه التطورات في وقت يتصاعد فيه التوتر حول تايوان، التي تعتبرها بكين جزءًا لا يتجزأ من أراضيها وتتعهد بإعادتها ولو بالقوة. وفي أي سيناريو لغزو محتمل، ستلعب غواصات الصين دورًا محوريًا في فرض حصار بحري أو منع تدخل الأسطول الأمريكي، وهو ما يضع البنتاجون أمام خيارات استراتيجية محدودة للغاية.

لماذا تعتبر الغواصات الصينية مصدر قلق استراتيجي؟

يكمن الخطر الأكبر في استراتيجية الصين المعروفة بـ “منع الوصول/الإنكار الإقليمي” (A2/AD)، والتي تهدف إلى إبقاء القوات الأمريكية خارج نطاق الساحل الصيني. وتعد الغواصات الهجومية الهادئة الأداة المثالية لتحقيق هذا الهدف، حيث يمكنها استهداف حاملات الطائرات والسفن الحربية الأمريكية قبل أن تقترب من مسرح العمليات، مما يشل قدرة واشنطن على التدخل بفعالية.

الصين في الصدارة.. لغة الأرقام تتحدث

وفقًا لبيانات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، فإن البحرية الصينية تمتلك حاليًا أكبر قوة بحرية قتالية في العالم. الأرقام لا تكذب، ففي عام 2004 كانت الولايات المتحدة تتفوق بـ 76 سفينة، لكن بحلول عام 2023، تقدمت الصين بفارق 41 سفينة حربية.

وتؤكد وزارة الدفاع الأمريكية هذا التحول، حيث يتوقع تقريرها الأخير أن ينمو الأسطول القتالي الصيني من أكثر من 370 سفينة حاليًا إلى 435 سفينة بحلول عام 2030. في المقابل، من المتوقع أن يتقلص حجم الأسطول الأمريكي من 296 سفينة إلى 294 سفينة في نفس الفترة، مما يعكس تراجعًا في القدرات الصناعية الأمريكية التي تراكمت على مدى عقود.

عرش الغواصات.. هل يتزعزع التفوق الأمريكي؟

حتى الآن، لا يزال التفوق البحري الأمريكي واضحًا في عالم الغواصات، حيث تمتلك البحرية الأمريكية 71 غواصة جميعها تعمل بالطاقة النووية، مما يمنحها مدى عمليات غير محدود وقدرة بقاء هائلة تحت الماء. في المقابل، تمتلك الصين أسطولًا مكونًا من 60 غواصة، لكن غالبيتها (48 غواصة) تعمل بالديزل والكهرباء، مما يحد من نطاق عملها.

لكن هذه الصورة بدأت تتغير بسرعة. فبينما تعاني أحواض بناء السفن الأمريكية من صعوبات في إنتاج غواصتين سنويًا من طراز “فرجينيا” للحفاظ على حجم الأسطول، تطلق الصين غواصات جديدة بوتيرة مذهلة. وتشير التقديرات إلى أن بكين ستصل إلى 80 غواصة بحلول عام 2035، مع زيادة كبيرة في عدد الغواصات النووية المتقدمة.

تحالف AUKUS: رد أمريكي استراتيجي

إدراكًا لهذا التحدي المتنامي، قادت الولايات المتحدة تشكيل تحالف “أوكوس” (AUKUS) مع المملكة المتحدة وأستراليا. يهدف هذا التحالف الأمني بشكل أساسي إلى تزويد أستراليا بغواصات هجومية تعمل بالطاقة النووية، في خطوة استراتيجية لتعزيز وجود حلفاء الغرب في المنطقة ومواجهة النفوذ المتزايد لأسطول غواصات الصين.

قفزة تكنولوجية صينية تحت الماء

لم يعد التفوق الصيني مجرد تفوق عددي، بل أصبح نوعيًا أيضًا. فبعد عقود من إنتاج غواصات نووية صاخبة وغير فعالة مثل طراز “هان-091″، حققت بكين، بمساعدة روسية، قفزة هائلة مع طرازات أحدث مثل “شانغ-093”. واليوم، يتحدث الخبراء عن الجيل الجديد من طرازي Type 095 و Type 096، والتي يُعتقد أنها تضاهي في هدوئها وقدراتها القتالية أحدث الغواصات الأمريكية والروسية.

وينقل برنت سادلر، الضابط السابق في البحرية الأمريكية، قلقه لصحيفة “وول ستريت جورنال” قائلًا: “قد تكون الصين على أعتاب قفزة تكنولوجية ستجعل غواصاتها أكثر هدوءًا بشكل كبير ويصعب تتبعها”. هذه الغواصات الجديدة ستكون مجهزة بأنظمة إطلاق عمودي لصواريخ كروز، مما يمكنها من تهديد أهداف برية وبحرية على بعد آلاف الكيلومترات.

هل الأرقام وحدها تكفي للنصر؟

على الرغم من هذا الصعود الصاروخي، فإن سباق التسلح البحري لم يُحسم بعد. لا تزال البحرية الأمريكية تتمتع بخبرة قتالية لا تضاهى، وقدرة على الانتشار العالمي، وشبكة تحالفات قوية تضم اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا. كما أن تفوقها في مجال حاملات الطائرات سيظل قائمًا لعقود قادمة.

ومع ذلك، فإن صعود قوة غواصات الصين يمثل مصدر قلق بالغ لواشنطن. ففي أي صراع مستقبلي، قد لا تكون المواجهة بين أساطيل ضخمة، بل معركة مميتة في الأعماق بين غواصات شبحية. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل تستطيع الولايات المتحدة الحفاظ على عرشها في أعماق البحار، أم أننا نشهد بداية نظام عالمي جديد تتصدر فيه الصين المشهد البحري؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *