عملاق بريندن إنجل: حين تروي السينما قصة الظل الذي صنع بطلاً
فيلم "Giant" يفتتح مهرجان البحر الأحمر بقصة الملاكم نسيم حامد من زاوية غير متوقعة، كاشفاً عن الدراما الإنسانية خلف الأضواء.

تحت أضواء جدة الساطعة، ومع انطلاق الدورة الخامسة لمهرجان البحر الأحمر السينمائي، ارتفعت الستارة عن حكاية لم تكن متوقعة. كانت ليلة استثنائية. فالفيلم الافتتاحي “Giant” لم يكن مجرد سيرة ذاتية للملاكم الأسطوري نسيم حامد، بل كان رحلة أعمق إلى روح الرجل الذي نحت هذا البطل من صخرة الموهبة الخام.
على الشاشة، يتجسد بيرس بروسنان في دور المدرب الإنجليزي بريندن إنجل، بحكمة تجعدت على وجهه وقوة هادئة في عينيه. وبجانبه، يقف أمير المصري، الذي لم يقلّد نسيم حامد، بل استحضره بروح راقصة وأداء جسدي مذهل. الفيلم، الذي أخرجه روان أتالي، يختار بذكاء أن يروي القصة من زاوية الظل. فالبطل الحقيقي هنا لا يقف تحت الأضواء.
ظلٌ خلف البطل
تبدأ الحكاية من ذروة المجد. نسيم بطل العالم. ثم، وبلمح البصر، نعود إلى شيفيلد عام ١٩٨١. لا نرى الطفل نسيم، بل نرى عيني بريندن إنجل وهي تلتقطه. يا لها من بصيرة! يراه وهو يراوغ أقرانه بخفة غزال، فيدرك على الفور أن هذه الأقدام لم تُخلق لتركض، بل لترقص على حلبة الملاكمة. هذه اللحظة التأسيسية لا تقدم لنا بطلاً، بل تقدم لنا صانع الأبطال، الرجل الذي حوّل صالة ألعاب رياضية متواضعة إلى مصنع للذهب، وحصن لأبناء المهاجرين ضد عنصرية الشوارع.
يصبح بريندن هو محور السرد. نرى عالمه، زوجته، أبناءه، ومبادئه التي لا تتزعزع وهو يطرد شابين عنصريين من صالته. كل ما نعرفه عن نسيم يأتينا عبر فلتر هذا الرجل، كأنه الأب الروحي الذي يروي قصة ابنه الأكثر موهبة والأكثر تمرداً. إنها ليست سيرة نسيم، بل هي إحدى فصول رحلة بريندن إنجل الطويلة، رحلة رجل عظيم استحق أن يُروى عنه فيلم، محققاً [سجلاً أسطورياً](https://boxrec.com/en/box-pro/7738) كأحد أفضل مدربي الملاكمة في التاريخ.
“دعهم يكرهونك”
العلاقة بين المدرب ونسيم هي قلب الفيلم النابض. علاقة مركبة، تشبه النزال تماماً. ينتزعه بريندن من بيئته، ليصقل موهبته وكرامته في آن واحد. لا نرى عائلة نسيم إلا لماماً، أم حنونة وأخ أكبر تلمع عيناه بطموح مادي شرس. في المقابل، تبدو عائلة المدرب الإنجليزية نموذجاً للتضحية والإيثار. هذه المقارنة الدرامية تثير تساؤلاً حول الزاوية التي اختارها المخرج لرواية قصته.
في مواجهة الهتافات العنصرية التي كانت تلاحق نسيم في بداياته، لم يعلمه بريندن كيف يتجاهلها، بل كيف يتغذى عليها. همس في أذنه بتلك العبارة التي ستصبح فلسفة حياة: “دعهم يكرهونك”. كانت نصيحة تهدف إلى بناء درع نفسي صلب، لكنها تحولت بمرور الوقت إلى وقود لغرور جامح. غرور سيصبح لاحقاً السكين الذي سيجرح يد صانعه، تماماً كما تنبأت زوجة المدرب في حوار عابر لكنه عميق.
من هو العملاق؟
مع توالي الأحداث، يتضح أن العنوان “Giant” لا يشير إلى نسيم حامد فحسب، بل ربما لا يشير إليه في المقام الأول. العملاق الحقيقي في هذه القصة هو بريندن، الرجل الذي يمتلك قامة أخلاقية ومهنية تتجاوز حدود الحلبة. حتى في لحظة الهزيمة الوحيدة لنسيم، يرفض المدرب مشاهدتها. يخرج إلى برد الليل، لا حزناً على الخسارة، بل ألماً على تلميذه الذي تخلى عن الخطة، وعن الرجل الذي رسم له الطريق. إنها هيمنة أبوية ترفض حتى أن تشهد لحظة انكسار الابن الضال.
الفيلم يمجد هذا الرجل، هذا العملاق الصامت الذي بنى مجتمعاً صغيراً قائماً على الاحترام المتبادل في قلب مجتمع أكبر كان ينهشه الانقسام. إنه تكريم للتفاني، وللحكمة التي تدرك أن بناء بطل لا يقتصر على تدريب الجسد، بل هو في الأساس بناء للروح.
حبرٌ يرسم الحلبة
ما يميز “Giant” هو السيناريو الذي كتبه المخرج بنفسه. الحوار ليس مجرد كلمات، بل هو أداة بصرية ونفسية. حين يتحدث نسيم الطفل عن شراء سيارة لامبورجيني بعد أن يجني ٤٠ مليوناً، نراه لاحقاً وقد امتلك أربع سيارات فاخرة تقف أمام قصره، لكنه خسر شيئاً أثمن. الكلمات هنا تصبح لكمات، والتشبيهات ترسم أبعاد الشخصيات بدقة فنان. يقول المدرب لنسيم الصغير: “طر بالقرب من الشمس، لينعكس ظلك كعملاق”. هذه الجملة ليست مجرد نصيحة، بل هي جوهر فلسفة الفيلم بأكمله.
في مشهد ختامي متخيل، يعتذر بريندن لنسيم عن صناعة هذا الوحش المغرور بداخله. إنه اعتذار لا يعكس ضعفاً، بل عظمة. العمالقة أيضاً يخطئون، لكن فخامتهم تكمن في قدرتهم على الاعتراف والندم. وفي لفتة درامية ذكية، يناقض الفيلم مبادئ “الصوابية السياسية” السائدة، فهو ينتصر للرجل الأبيض الإنجليزي على حساب المهاجر العربي الملون الذي يظهر ناكراً للجميل. إنها حلبة نزال فكرية، مطبوخة بذكاء وجرأة، تجعل من الصعب إسقاط حججها بالضربة القاضية.








