فن

عمر خيرت: عودة المايسترو إلى النور.. من القاهرة إلى الدوحة

بعد أزمة صحية أثارت قلق محبيه، يعود الموسيقار الكبير ليُعانق جمهوره في أمسية استثنائية بقطر، حاملاً معه ألحان الذاكرة والوجدان.

تتنفس أصابع البيانو الصعداء. لقد عاد مايسترو الوجدان المصري والعربي، عمر خيرت، ليُعيد للحياة ألحاناً ظنّها البعض قد تخفت قليلاً. فبعد فترة من القلق والترقب، يطل الموسيقار الكبير من جديد، ليس من شرفة مستشفى بالقاهرة، بل من على خشبة مسرح المياسة المهيب في الدوحة. إنه ظهوره الأول بعد الوعكة الصحية التي ألمّت به، ليكون الموعد في الخامس من ديسمبر المقبل، لقاءً يحتفي بالحياة والموسيقى معاً.

تلك العودة لم تكن مجرد خبر عابر، بل هي حدث فني وثقافي بامتياز. فموسيقى عمر خيرت ليست مجرد نوتات متتالية، بل هي ذاكرة أجيال بأكملها، نسجت خيوطها من تترات المسلسلات والأفلام التي شكلت وعينا الجمعي. إنها موسيقى تحمل في طياتها رائحة شوارع القاهرة، وحكايات الحب والفقد، وصوت ضمير المجتمع في أعمال مثل “عفواً أيها القانون” و”ليلة القبض على فاطمة”. لذلك، كان خبر حفله في قطر بمثابة إعلان عن استمرارية هذا الإرث الفني العظيم، الذي يتجاوز الحدود ليوحد القلوب في كل مكان.

### أسطورة الموسيقى العربية.. موعد في الدوحة

لم يكن الإعلان عن الحفل تقليدياً. فبكلمات بسيطة ورقيقة عبر صفحته على انستجرام، كتب خيرت: «أسطورة الموسيقى العربية، الموسيقار العالمي عمر خيرت على موعد مع جمهوره في أمسية استثنائية بقطر». كانت تلك الكلمات كافية لإشعال حماس الآلاف من محبيه في الخليج ومصر. سيجتمعون في [مسرح المياسة](https://www.qm.org.qa/en/visit/venues/al-mayassa-theatre/)، وهو صرح فني يليق بقامة فنان بحجمه، حيث ستلتقي الجاليات العربية على اختلافها، لا يجمعها سوى لغة واحدة هي لغة خيرت الموسيقية. من المتوقع أن يأخذ الحضور في رحلة عبر الزمن، من سحر “العرافة والعطور الساحرة” إلى شجن “في هويد الليل”، وصولاً إلى الأمل المتجدد في “فيها حاجة حلوة”. يا لها من رحلة يعدنا بها.

إن اختيار الدوحة لهذا الحفل الأول بعد التعافي يحمل دلالة رمزية، فهو يؤكد على مكانة خيرت كأيقونة عربية شاملة، لا تقتصر شعبيته على وطنه الأم. فموسيقاه، التي تمزج بعبقرية بين الأوركسترا الكلاسيكية والروح المصرية الأصيلة، أصبحت جزءاً لا يتجزأ من النسيج الثقافي العربي الحديث. وكما قال أحد النقاد ذات مرة: “عمر خيرت لا يؤلف موسيقى، بل يؤرخ المشاعر”.

### وعكة عابرة.. وعودة أقوى للحن

قبل أسابيع قليلة، حبست مصر أنفاسها. خبر دخول الموسيقار الكبير إلى العناية المركزة أحدث قلقاً واسعاً تجاوز حدود الوسط الفني ليصل إلى كل بيت ارتبطت ذكرياته بألحانه. لم يكن القلق على فنان فحسب، بل على رمز ثقافي كبير. وقد تجلى هذا الاهتمام في أبهى صوره عندما وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي بمتابعة حالته الصحية شخصياً، في لفتة تعكس تقدير الدولة لقاماتها الفنية. وتوالت الزيارات والاتصالات من كبار الفنانين والمسؤولين، من وزيرة الثقافة إلى نقيب الموسيقيين، في مشهد يؤكد أن خيرت ليس مجرد موسيقي، بل هو جزء من ضمير الأمة.

تلك الأزمة، رغم قسوتها، كشفت عن حجم المحبة التي يحظى بها، وأثبتت أن فنه قد حفر مكانه عميقاً في قلوب الملايين. واليوم، وهو يستعد للوقوف أمام جمهوره في الدوحة، فإن كل نوتة سيعزفها لن تكون مجرد موسيقى، بل ستكون إعلاناً للانتصار. انتصار الفن على الألم، وانتصار اللحن على الصمت. يبدو أن الموسيقى نفسها رفضت أن تصمت طويلاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *