عباس فارس: غول السينما المصرية.. حكاية فنان أسطوري جمع بين الفن والحب العابر للقارات
من أدوار السلطة إلى زواج إنجليزي فريد.. محطات في حياة صاحب الصوت الأجش

لا يزال اسم الفنان عباس فارس يتردد صداه في أروقة السينما المصرية، كواحد من أبرز نجوم عصرها الذهبي، و’غولها’ الذي لا يُنسى. بصوته الأجش وحضوره الطاغي وملامحه الحادة، لم يكن فارس مجرد ممثل، بل أيقونة حفرت اسمها بأحرف من نور في سجلات الفن، ليصبح المرشح الأول لأدوار التاريخ والسلطة على الشاشة الكبيرة.
**من المغربلين إلى خشبة المسرح**
في حي المغربلين بالقاهرة، أبصر عباس فارس النور في الثاني والعشرين من أبريل عام 1902. لم يكن غريباً أن ينجذب الفتى الصغير إلى عالم التمثيل مبكراً، لتكون ‘شقاء الأبناء’ على خشبة مسرح الهواة هي شرارته الأولى. لم يلبث فارس طويلاً حتى وجد مكانه بين عمالقة المسرح، فانضم وهو في الخامسة عشرة من عمره إلى فرقة جورج أبيض العريقة، حيث لمع نجمه في أدوار ثقيلة بمسرحيتي ‘ماكبيث’ و’عطيل’. ولم يكتفِ بذلك، بل شارك أيضاً فرقة نجيب الريحاني في أوبريت ‘العشرة الطيبة’ الخالد من ألحان سيد درويش، ليثبت جدارته في مختلف الألوان الفنية.
**سطوع نجمه في الشاشة الفضية**
لكن الشاشة الفضية كانت تنتظر ‘غولها’ لتسطع نجوميته بشكل أوسع. ففي عام 1929، كان فيلم ‘بنت النيل’ مع رائدة السينما عزيزة أمير، هو بوابة فارس نحو عالم السينما الذي لم يتوقف عن إثرائه حتى منتصف السبعينيات. قرابة 150 عملاً فنياً حملت بصمته الواضحة، لم تقتصر على الإنتاج العربي فحسب، بل امتدت لتشمل مشاركته في الفيلم الأمريكي ‘Egypt by three’ بدور الشيخ، ليثبت أن موهبته عابرة للحدود.
تنوعت أدوار فارس بشكل لافت، فمن الشر إلى الخير، ومن الكوميديا إلى التراجيديا، أثبت قدرته على تجسيد كافة الشخصيات. قائمة أعماله السينمائية تضم أيقونات مثل ‘وإسلاماه’، ‘بيت الله الحرام’، ‘البؤساء’، ‘دنانير’، ‘ليلى بنت الشاطئ’، و’خلي بالك من زوزو’. وكان ‘العنيد’ عام 1973، أمام وحش الشاشة فريد شوقي، هو آخر ما قدمه للسينما. وعلى خشبة المسرح، أمتع الجمهور بأعمال خالدة كـ ‘الحماة’، ‘المرأة الجديدة’، ‘علي بابا’، ‘شهرزاد’، و’أهل الكهف’، وغيرها الكثير.
**زواج عابر للقارات.. قصة حب فريدة**
لكن حياة ‘غول السينما’ لم تقتصر على الأضواء والشاشات، بل حملت في طياتها قصة حب فريدة من نوعها. فخلال رحلة له إلى لندن، أسرت فتاة إنجليزية قلبه، وبادلته المشاعر ذاتها. لم يتردد فارس في التقدم لها، مشترطاً اعتناقها الإسلام لإتمام الزواج. وافقت الفتاة، وعادت معه إلى مصر، حيث غمرها بتعاليم الدين الحنيف، لتنجب له ابنهما ‘جمال’. وبعد رحلة مع المرض، رحلت الزوجة الأولى، ليغرق فارس في حزن عميق. لكن القدر كان له رأي آخر، فبعد فترة، تزوج من شقيقتها، التي وافقت هي الأخرى على اعتناق الإسلام، وأنجبت له ابنه الثاني ‘إسلام’. قصة زواج تروي فصلاً خاصاً في حياة فنان استثنائي، جمع بين الفن والحب العابر للثقافات.
وفي الثالث عشر من فبراير عام 1978، أسدل الستار على حياة ‘غول السينما’ في منزله بحي العباسية، عن عمر يناهز السادسة والسبعين عاماً. رحل عباس فارس بجسده، لكن إرثه الفني الخالد يظل حاضراً، شاهداً على موهبة استثنائية وبصمة لا تُمحى في تاريخ الفن المصري.









