صندوق النقد يرفع توقعاته لنمو الاقتصاد السعودي للمرة الثانية

في شهادة ثقة جديدة، رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد السعودي لعامي 2025 و2026، في ثاني مراجعة إيجابية خلال ثلاثة أشهر فقط. هذه النظرة المتفائلة تستند إلى مسارين متوازيين: الحيوية المتزايدة للقطاع غير النفطي، والتخفيف المدروس لتخفيضات إنتاج النفط ضمن تحالف أوبك+.
وفقًا لتقرير “آفاق الاقتصاد العالمي” الصادر عن الصندوق، من المتوقع أن يحقق أكبر اقتصاد عربي نموًا بنسبة 4% خلال عامي 2025 و2026. تمثل هذه الأرقام زيادة بواقع 0.4 نقطة مئوية لعام 2025 و0.1 نقطة مئوية لعام 2026، مقارنة بالتقديرات التي صدرت في يوليو الماضي، مما يعكس زخمًا اقتصاديًا مستمرًا وقدرة على التكيف مع المتغيرات العالمية.
محركات النمو.. النفط والقطاع الخاص
تستند هذه النظرة الإيجابية إلى عوامل متعددة، أبرزها رفع الصندوق لتقديراته لمتوسط أسعار النفط. فمن المتوقع أن يصل سعر البرميل إلى 68.9 دولار هذا العام و65.8 دولار في 2026، وهي أرقام تفوق التوقعات السابقة. هذا التحسن في الإيرادات النفطية يتزامن مع قرار تحالف “أوبك+” بتقليص تخفيضات الإنتاج تدريجيًا منذ أبريل، وهي خطوة تهدف لاستعادة الحصة السوقية وتدعم بشكل مباشر الميزانية السعودية.
هذا التوجه لا يمثل مجرد زيادة في الإنتاج، بل هو جزء من استراتيجية أوسع لإدارة سوق الطاقة العالمي بمرونة، حيث تلعب المملكة، بصفتها المنتج الأكبر في التحالف، دورًا محوريًا في تحقيق الاستقرار. وتترجم زيادة إيرادات النفط مباشرة إلى تعزيز الإنفاق الحكومي، مما يمنح دفعة قوية لمختلف قطاعات الناتج المحلي.
الأنشطة غير النفطية.. قاطرة التحول
على الرغم من تفاؤل الصندوق، تظل تقديراته أقل من توقعات وزارة المالية السعودية، التي تتوقع نموًا بنسبة 4.4% هذا العام و4.6% العام المقبل. الفارق يكمن في الرهان الحكومي الكبير على الأنشطة غير النفطية، التي أصبحت المحرك الرئيسي للتحول الاقتصادي في إطار رؤية 2030، وهو ما أكده سابقًا أمين ماتي، رئيس بعثة الصندوق إلى السعودية، مشيرًا إلى مرونة الاقتصاد في مواجهة التحديات.
ومع ذلك، لم يغفل الصندوق الإشارة إلى التحديات المتمثلة في تسجيل عجز مزدوج في الميزانية والحساب الجاري، وهو ما يعود بشكل أساسي إلى زيادة الواردات الاستثمارية الضخمة المرتبطة بالمشاريع الكبرى، إلى جانب تقلبات أسعار النفط. هذا التوازن الدقيق بين الإنفاق الطموح والحفاظ على الاستقرار المالي يظل هو المعادلة الأهم للاقتصاد السعودي في المرحلة المقبلة.
إشادة دولية بالانضباط المالي
في هذا السياق، جاءت إشادة كريستالينا غورغييفا، مديرة صندوق النقد الدولي، بإعادة تقييم السعودية لخطط الإنفاق على المشاريع، لتؤكد على نضج السياسة المالية للمملكة. واعتبرت أن هذه المراجعات الدورية ليست تقشفًا، بل هي ممارسة ضرورية لضمان كفاءة الإنفاق والحفاظ على الانضباط المالي، وهو ما يزيد من ثقة أسواق المال العالمية في الاقتصاد السعودي.
تعكس هذه الخطوات تحولًا استراتيجيًا نحو إدارة أكثر رشاقة للموارد المالية، حيث يتم تقييم المشاريع بناءً على جدواها وقدرتها على تحقيق عوائد مستدامة. هذا النهج يضمن أن تظل المملكة في مركز مالي قوي، قادر على التكيف مع المتغيرات ومواصلة مسيرة التحول الاقتصادي الطموحة دون المساس باستقرارها المالي على المدى الطويل.









