صعيد مصر على خريطة الصناعات الغذائية.. مجمع جديد بالأقصر يستهدف الأسواق العالمية
من إسنا إلى العالم.. كيف يغير مجمع غذائي جديد مستقبل الزراعة والتنمية في صعيد مصر؟

في خطوة تعكس التوجه الحكومي نحو تعميق التصنيع الزراعي في صعيد مصر، تم تدشين مجمع الصناعات الغذائية بقرية الكيمان في محافظة الأقصر، ليمثل نقطة تحول في استغلال الموارد الزراعية بالمنطقة، ونقلها من مرحلة الإنتاج الأولي إلى التصنيع الموجه للتصدير.
من التجفيف التقليدي إلى القيمة المضافة
يستهدف المشروع، الذي يأتي كثمرة تعاون بين هيئة تنمية الصعيد والقطاع الخاص ممثلاً في شركات شبابية، تطوير حرفة التجفيف الزراعي التي تشتهر بها المنطقة، وتحويلها إلى صناعة منظمة ذات قيمة مضافة. فبدلاً من بيع المحاصيل خاماً، يركز المجمع على تجفيف الطماطم والمحاصيل الاستراتيجية، وهو ما يقلل الفاقد الزراعي الذي يمثل أحد أكبر تحديات القطاع في مصر، ويزيد من العائد الاقتصادي للمزارعين.
ويشير خبراء إلى أن هذه الخطوة تتماشى مع الاستراتيجية الوطنية لزيادة الصادرات الزراعية المصرية، حيث تفتح أسواقاً جديدة للمنتجات المصنعة التي تتمتع بفترة صلاحية أطول وقيمة تنافسية أعلى في الأسواق الأوروبية والآسيوية. ويُنظر إلى المشروع كنموذج يمكن تكراره في محافظات الصعيد الأخرى للاستفادة من ميزاتها النسبية في الإنتاج الزراعي.
أبعاد اقتصادية واجتماعية
لا تقتصر أهمية المجمع على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اجتماعية عميقة. فمن خلال توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، يسهم المشروع في تنمية المجتمع الريفي وتمكين المرأة والشباب، مما يجعله أداة فاعلة في مواجهة الدوافع الاقتصادية للهجرة غير الشرعية، بل وتشجيع الهجرة العكسية من المدن المزدحمة إلى الريف المنتج.
وفي هذا السياق، يقول المحلل الاقتصادي الدكتور حسن إسماعيل، في تصريح خاص، إن “توطين الصناعات التحويلية في قلب المناطق الزراعية هو الحل الأمثل لتحقيق تنمية مستدامة، فهو لا يعزز الأمن الغذائي فقط، بل يخلق منظومة اقتصادية متكاملة تدعم استقرار المجتمعات المحلية وتقلل من الضغط على المدن الكبرى”.
تكامل مع الرؤية الوطنية
يأتي تدشين هذا المشروع في سياق أوسع يتناغم مع خطط الدولة المصرية الطموحة، وعلى رأسها رؤية مصر 2030 والمشروع القومي لاستصلاح المليون ونصف المليون فدان. إن ظهور شركات ناشئة منبثقة عن هذه المشاريع القومية، مثل القائمين على هذا المجمع، يؤكد أن استراتيجية الدولة بدأت تؤتي ثمارها في خلق جيل جديد من رواد الأعمال القادرين على تحويل الموارد الطبيعية إلى مشروعات إنتاجية.
وفيما تحتفي مصر بإنجازاتها الحضارية الكبرى، يأتي هذا المشروع ليؤكد أن بناء المستقبل لا يقل أهمية عن صون الماضي، وأن التنمية الحقيقية هي التي تمتد جذورها في كل ربوع الوطن، خاصة في صعيد مصر الذي ظل لعقود طويلة ينتظر مشروعات تنموية حقيقية تغير واقعه.
ختاماً، يمثل مجمع الصناعات الغذائية بالأقصر أكثر من مجرد مصنع؛ إنه رمز لإمكانات كامنة يتم تفعيلها، ورسالة بأن صعيد مصر لم يعد مجرد خزان للمواد الخام أو العمالة، بل أصبح شريكاً فاعلاً في بناء اقتصاد وطني قوي ومتنوع، قادر على المنافسة في الأسواق العالمية.









