عرب وعالم

صرخة من عواصم الإعلام.. لماذا تطالب بي بي سي ووكالات عالمية بدخول الصحفيين الأجانب إلى غزة؟

في خطوة تصعيدية نادرة، أطلقت كبرى المؤسسات الإعلامية في العالم صرخة مدوية عبر فيلم قصير، مطالبةً بفتح أبواب غزة المغلقة أمام عيون الصحافة الدولية. هذه ليست مجرد دعوة، بل هي شهادة على حجم المأساة التي يحمل عبء توثيقها صحفيون فلسطينيون يدفعون حياتهم ثمنًا للحقيقة.

فيلم قصير بصوت الحقيقة.. رسالة من عمالقة الإعلام

توحدت هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي مع ثلاث من أكبر وكالات الأنباء العالمية، وهي فرانس برس، وأسوشيتد برس، ورويترز، لإنتاج فيلم قصير يحمل رسالة واضحة ومباشرة. بصوت الصحفي البريطاني المخضرم ديفيد ديمبلبي، الذي ارتبط صوته بأكبر الأحداث العالمية، يناشد الفيلم السلطات الإسرائيلية بضرورة السماح للصحفيين الأجانب بالدخول الفوري والمستقل إلى قطاع غزة.

يقول ديمبلبي في الفيلم بلهجة تحمل ثقل التاريخ: “يجب السماح للصحفيين الدوليين بدخول غزة لمشاركة زملائهم الفلسطينيين هناك في تحمّل مسؤولية نقل الحقيقة إلى العالم”. لم تكن الكلمات مجرد شعار، بل كانت اعترافًا بالدين المهني والأخلاقي تجاه الصحفيين الفلسطينيين الذين تُركوا وحدهم في الميدان.

“ممنوع من الدخول”.. رواية إسرائيلية في مواجهة حرية الصحافة

منذ الهجوم الذي شنته حركة حماس في 7 أكتوبر 2023 وما تلاه من هجوم إسرائيلي واسع النطاق، فرضت إسرائيل حظرًا شبه كامل على دخول الصحفيين الأجانب بشكل مستقل. واقتصر الأمر على جولات محدودة جدًا تحت إشراف ومراقبة أمنية من الجيش الإسرائيلي، وهو ما يصفه الصحفيون بأنه “سياحة حربية موجهة” لا تتيح أي فرصة للتغطية الإعلامية الحرة والنزيهة.

تبرر إسرائيل هذا المنع بـ”أسباب أمنية”، وهو ما أيدته المحكمة العليا الإسرائيلية في قرار سابق العام الماضي. لكن المؤسسات الإعلامية ترى في هذا القرار تقييدًا متعمدًا لحرية الصحافة، ومنعًا للعالم من رؤية الصورة الكاملة لما يجري على الأرض، بعيدًا عن الرواية الرسمية التي يقدمها الجيش.

عبء الحقيقة على أكتاف الفلسطينيين وحدهم

في قلب هذه المعركة الإعلامية، يقف الصحفيون الفلسطينيون، الذين تحولوا من مجرد ناقلين للخبر إلى جزء من الخبر نفسه. وبحسب أرقام مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، استشهد ما لا يقل عن 248 صحفيًا فلسطينيًا في الهجمات الإسرائيلية، وهو رقم مفزع يعكس حجم الخطر الذي يواجهونه يوميًا. ورغم نفي إسرائيل المتكرر استهدافهم عمدًا، فإن الواقع على الأرض يروي قصة مختلفة.

يبرز الفيلم هذه المفارقة المؤلمة، حيث يقارن ديمبلبي بين الوضع في غزة وأوكرانيا، قائلًا: “في أوكرانيا، يخاطر الصحفيون من كل العالم بحياتهم لنقل المعاناة. لكن في غزة، يقع عبء التغطية بالكامل على الصحفيين الفلسطينيين، الذين يدفعون ثمنًا باهظًا، مما يترك عددًا أقل ليشهدوا على ما يحدث”.

صدى التاريخ.. من نورماندي إلى غزة

لتعزيز رسالته، لم يكتفِ الفيلم بعرض مشاهد من غزة، بل استدعى أرشيف الذاكرة الإنسانية. عُرضت لقطات تاريخية من إنزال نورماندي في الحرب العالمية الثانية، وحرب فيتنام، ومجاعة إثيوبيا، واحتجاجات ساحة تيانانمن، وصولًا إلى حرب أوكرانيا. كانت الرسالة الضمنية واضحة: لطالما كان الصحفيون شهود العيان على أكبر مآسي البشرية، فلماذا تُستثنى غزة؟

عُرض الفيلم لأول مرة في نيويورك خلال فعالية استضافتها لجنة حماية الصحفيين، في خطوة رمزية تزامنت مع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بهدف وضع القضية على أجندة صناع القرار في العالم. وقالت ديبورا تيرنس، الرئيسة التنفيذية لبي بي سي نيوز: “يجب أن يُسمح لنا بالدخول الآن، للعمل جنبًا إلى جنب مع الصحفيين المحليين، حتى نتمكن جميعًا من نقل الحقائق إلى العالم”.

هذه الدعوة ليست الأولى من نوعها، فقد سبقتها بيانات ومناشدات عديدة، أبرزها:

  • يوليو/تموز: بيان مشترك من الوكالات الأربع يعرب عن القلق البالغ إزاء أوضاع الصحفيين في غزة.
  • أغسطس/آب: بيان أيدته 27 دولة، من بينها المملكة المتحدة، يدعو إسرائيل للسماح الفوري بدخول الإعلام الأجنبي.

بينما تتصاعد الأصوات الدولية، وتستمر إسرائيل في إحكام قبضتها على حدود غزة، يبقى السؤال معلقًا في الهواء: إلى متى ستظل رواية ما يحدث في غزة قصة يرويها طرف واحد، وهل يمكن للعالم أن يتحمل تكلفة غياب الحقيقة الكاملة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *