صراع الصلاحيات يهدد استقلال الاحتياطي الفيدرالي: المحكمة العليا ووزارة العدل في مواجهة البيت الأبيض
تحقيقات وزارة العدل وقضية ليزا كوك أمام المحكمة العليا ترسمان ملامح مستقبل رئيس البنك المركزي جيروم باول ودور المؤسسة.

تتجه الأنظار إلى المحكمة العليا الأمريكية، حيث تستعد للنظر في قضية بالغة الأهمية قد ترسم ملامح مستقبل استقلال الاحتياطي الفيدرالي، في وقت تواصل فيه وزارة العدل تحقيقاتها الخاصة بالبنك المركزي. ومن المقرر أن تستمع المحكمة في 21 يناير الجاري إلى المرافعات المتعلقة بجهود الرئيس السابق دونالد ترامب ترامب لإقالة ليزا كوك، عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي.
وكان مسؤولون في الإدارة قد اتهموا كوك العام الماضي بارتكاب احتيال عقاري، عبر تضليل المعلومات حول العقار الذي يعتبر مقر إقامتها الأساسي في طلبات الرهن العقاري. ورغم محاولات ترامب عزلها من منصبها، فقد حالت المحاكم دون ذلك حتى الآن. وفي حال فوز البيت الأبيض بالقضية، فإن ذلك قد يشكل سابقة مهمة في مساعي الرئيس المستمرة لإقالة رئيس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول باول.
وفي هذا السياق، يرى أديتيا بهافي، الخبير الاقتصادي في بنك أوف أمريكا، أن “حكم المحكمة ضد كوك سيرفع بشكل كبير احتمالية إقالة باول أيضاً بناءً على تحقيق وزارة العدل”. وأضاف بهافي في مذكرة بحثية: “لقد كنا نجادل بأن قضية كوك أكثر أهمية لمسار السياسة النقدية من هوية رئيس الاحتياطي الفيدرالي القادم، ونعتقد أن هذا أصبح أكثر صحة الآن”.
تصاعدت حدة التحديات التي تواجه الاحتياطي الفيدرالي، بعد إعلان باول يوم الأحد الماضي تلقيه مذكرات استدعاء من وزارة العدل تتعلق بمشروع تجديد مثير للجدل بملايين الدولارات في مقر البنك المركزي بواشنطن. وتشير التقارير إلى أن التحقيق يركز على ما إذا كان باول قد أدلى بشهادة كاذبة بشأن المشروع خلال إفادته أمام الكونغرس العام الماضي.
لطالما كان ترامب من أشد منتقدي باول، وقد تلاعب العام الماضي بفكرة إقالته. وبينما يصر باول على أن ترامب لا يملك صلاحية عزله، فإن إثبات الرئيس لسبب وجيه قد يغير هذا الواقع. ظاهرياً، تبدو محاولة إقالة باول مسألة أكاديمية، ففترة ولايته كرئيس تنتهي في مايو، ويحق لترامب حينها تقديم مرشح جديد. لكن ولاية باول في مجلس المحافظين تمتد حتى عام 2028، مما يعني أنه قد يبقى في منصبه ويشكل عقبة أمام جهود ترامب لدفع الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة “بشكل كبير!!!” كما ذكر في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الثلاثاء.
وقد يوفر هذا الوضع حافزاً إضافياً لباول لاستكمال ولايته في مجلس المحافظين، ليقف سداً منيعاً في وجه محاولات ترامب لتقويض استقلالية الاحتياطي الفيدرالي عن التلاعب السياسي.
من جانبه، قاوم باول في الغالب التعليق على انتقادات ترامب، التي كانت شخصية ولاذعة في بعض الأحيان. وبينما حاول رؤساء آخرون إجبار الاحتياطي الفيدرالي على تخفيف سياسته النقدية، ينفرد ترامب بأسلوبه العلني والعدواني. والأهم من ذلك، تعد هذه المرة الأولى التي تستهدف فيها وزارة العدل رئيسًا حاليًا للاحتياطي الفيدرالي.
تداعيات طويلة الأمد
يرى عدد من المحللين أن هذه الظروف قد تؤدي إلى معركة طويلة الأمد يقرر فيها باول البقاء في منصبه. وفي هذا الصدد، أشار دويتشه بنك إلى أوجه تشابه بين باول ومارنر إيكلز، الرئيس الأسبق للاحتياطي الفيدرالي الذي يحمل اسمه الآن أحد مباني البنك، والذي قرر البقاء كمحافظ بعد أن عزله الرئيس هاري ترومان عام 1948. استمر إيكلز كمحافظ حتى عام 1951، وكان صوتًا قويًا يدعو إلى استقلالية البنك المركزي.
علاوة على ذلك، قد يؤدي تمرد داخل اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، إلى الإبقاء على باول في منصب الرئيس، حتى لو قام ترامب بتعيين رئيس منفصل لإدارة البنك المركزي نفسه.
وفي مذكرة للعملاء، صرح ماثيو لوزيتي، كبير الاقتصاديين الأمريكيين في دويتشه بنك: “بينما لم يكن هذا هو السيناريو الأساسي، بل بدا احتمالاً بعيداً نسبياً، فإن أحداث نهاية الأسبوع الماضي تزيد على الأرجح من احتمالية اختيار باول البقاء في الاحتياطي الفيدرالي”. وأضاف: “في الواقع، إذا أصرت الإدارة على المضي قدماً في الملاحقة الجنائية للرئيس باول، وتمسك الجمهوريون في مجلس الشيوخ بموقفهم بعدم الموافقة على مرشحين لمجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، فمن المرجح أن تختار اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة باول للبقاء كرئيس”.
تعود هذه التطورات لترتبط مباشرة بجلسة الاستماع الخاصة بقضية كوك. فإذا انتصر ترامب، يمكنه استخدام ذلك مبرراً لإقالة باول. أما إذا فازت كوك، فإن ذلك سيمهّد لمعركة إرادات طويلة الأمد بين الاحتياطي الفيدرالي والبيت الأبيض، قد تكون لها تداعيات سياسية مهمة.
تراقب الأسواق عن كثب أي مؤشرات حول تحركات الاحتياطي الفيدرالي، حيث يراهن المتداولون بقوة ضد اتخاذ أي إجراء في اجتماع السياسة النقدية المقرر هذا الشهر. وبدلاً من ذلك، يتوقعون أن يكون الخفض التالي لأسعار الفائدة في يونيو، وفقاً لبيانات مجموعة CME. وفي هذا الصدد، كتب كيفن جوردون، رئيس أبحاث الاقتصاد الكلي والاستراتيجية في تشارلز شواب، أن قرار قضية كوك “سيحمل ثقلاً هائلاً عندما يتعلق الأمر بقدرة أي رئيس على تشكيل هيكل الاحتياطي الفيدرالي”. وأضاف: “لكن لا تخطئوا: على الرغم من أن حجم تحركات الأسواق المختلفة استجابة لأخبار باول كان محدوداً، فإن الاتجاه (الدولار إلى الأسفل، الأسهم إلى الأسفل، السندات إلى الأسفل) يشير إلى كيفية استيعاب هذه الصدمات إذا استمرت على المدى الطويل”.









