صراع الرقائق: لماذا ترفض الصين رقائق إنفيديا H200 وتستثمر 70 مليار دولار في استقلالها التكنولوجي؟
تحليل معمق لاستراتيجيات واشنطن وبكين في حرب أشباه الموصلات وتأثيرها على إنفيديا وهواوي.

في سياقٍ تاريخيٍّ يتسم بتصاعد التنافس التكنولوجي، تبرز حزمة حوافز صينية مقترحة بقيمة 70 مليار دولار لدعم صناعة الرقائق المحلية كدليلٍ قاطعٍ على تصميم بكين الاستراتيجي لتقليص اعتمادها على الموردين الأجانب. هذا الرقم، الذي يتجاوز إجمالي الناتج المحلي لبعض الدول الصغيرة، لا يمثل مجرد استثمار اقتصادي، بل هو إعلان سيادي عن الرغبة في الاكتفاء الذاتي في قطاع أشباه الموصلات الحاسم. في المقابل، يتكشف المشهد الأميركي بمحاولةٍ لافتةٍ لإعادة تشكيل ديناميكيات السوق.
استراتيجية واشنطن: تحدي أم دعم؟
قرار الإدارة الأميركية الأخير بالسماح لشركة إنفيديا بشحن رقائق H200 إلى الصين، والذي أعلنه الرئيس السابق دونالد ترمب ودعمه قيصر الذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض ديفيد ساكس، كان يهدف ظاهريًا إلى إدخال منافسة أميركية إلى السوق الصينية. تفسير هذا التحرك يكمن في اعتقاد واشنطن بأن هذه الرقائق، التي تنتمي إلى جيل هوبر لإنفيديا وتتخلف بجيلين عن خط بلاكويل الأحدث، تمثل تقنية “متأخرة” يمكن أن تضعف موقف شركات مثل هواوي تكنولوجيز. إلا أن ساكس، المستثمر الرأسمالي المغامر الذي انضم إلى الإدارة في يناير، أعرب عن شكوكه العميقة حول نجاح هذا النهج، مشيرًا إلى أن بكين قد فهمت هذه الحسابات الاستراتيجية. هل كانت هذه الخطوة محاولة لفرض منتج أقل تطورًا أم لفتح باب المنافسة؟
رفض صيني: سيادة تكنولوجية
التقارير الأخيرة، التي أشار إليها ساكس، تؤكد أن الصين ترفض فعليًا استيراد رقائق H200، مفضلةً دعم أشباه الموصلات المطورة محليًا. هذا الرفض ليس مجرد قرار تجاري، بل هو انعكاس لرؤية استراتيجية أوسع تهدف إلى تحقيق الاستقلال التام في مجال أشباه الموصلات، وهو ما يتسق مع حزمة الحوافز البالغة 70 مليار دولار التي تستهدف تعزيز شركات مثل هواوي وكامبريكون تكنولوجيز. تاريخيًا، سعت الصين جاهدة لتقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأجنبية، خاصة بعد القيود الأميركية المتزايدة على التصدير. هذا التوجه يبرهن على أن الدعم الحكومي للشركات المحلية يبقى أولوية قصوى، حتى في ظل تخفيف بعض القيود الأميركية. فقد أظهرت دراسات متعددة، بما في ذلك تقارير من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، أن بكين تستثمر بكثافة في البحث والتطوير لتقليل الفجوة التكنولوجية مع الغرب، مما يعزز قدرتها على إنتاج رقائق متقدمة محليًا. [المصدر]
تداعيات اقتصادية على إنفيديا
تعليقات ساكس تثير تساؤلات جوهرية حول قدرة إنفيديا على استعادة إيراداتها المتوقعة من السوق الصينية، والتي قدرها الرئيس التنفيذي جينسن هوانغ بنحو 50 مليار دولار لهذا العام في قطاع مراكز البيانات. محللو بلومبرغ إنتليجنس قدروا الإيرادات السنوية المحتملة لرقائق H200 في الصين بنحو 10 مليارات دولار، لكن هذا الرقم مشروط بقبول بكين لها. إذا استمر الرفض الصيني، فإن 10 مليارات دولار من الإيرادات المحتملة ستتبخر، مما يمثل ضربة كبيرة لخطط التوسع. إنفيديا نفسها أقرت بأن “ثلاث سنوات من ضوابط التصدير الواسعة للغاية غذّت منافسي أميركا الأجانب وكلّفت دافعي الضرائب الأميركيين مليارات الدولارات”، مما يعكس الإدراك المتزايد لتأثير هذه السياسات على الشركات الأميركية.
الفجوة التكنولوجية ومنافسة هواوي
القرار الأميركي بالسماح بتصدير H200 جاء مدفوعًا بتقييم مفاده أن هواوي، المنافس الصيني الأبرز لإنفيديا، تقدم أنظمة ذكاء اصطناعي بقدرات مماثلة. منصات مثل “كلاود ماتريكس 384” من هواوي، التي تربط مئات المعالجات لتعويض الأداء الفردي الأقل للرقائق، تظهر قدرة الصين على الابتكار ضمن القيود المفروضة. هذه القدرة التنافسية المحلية تجعل رقائق H200، التي تتأخر بنحو 18 شهرًا عن أحدث رقائق إنفيديا، أقل جاذبية للسوق الصينية التي تسعى للريادة لا اللحاق بالركب. تذكّرنا هذه الديناميكية برفض الصين السابق لشريحة H20 الأقل قدرة، مما يؤكد نمطًا ثابتًا في سلوك بكين تجاه الرقائق الأجنبية التي لا تلبي طموحاتها الاستقلالية.
إن التفاعل المعقد بين السياسات التجارية الأميركية والطموحات التكنولوجية الصينية يرسم ملامح مستقبل صناعة أشباه الموصلات العالمية. هل ستنجح واشنطن في إبطاء تقدم بكين، أم أن هذه القيود ستدفع الصين نحو تسريع وتيرة ابتكارها الذاتي؟ الرهانات عالية، والنتائج ستحدد مسار الهيمنة التكنولوجية لعقود قادمة.




