صحافة ‘الرئيس التنفيذي قال’: أوهام الأثرياء على موائد الأخبار

مراسل في قسم التكنولوجيا، يركز على متابعة أخر مستجدات أخبار التكنولوجيا

بات مشهدًا مألوفًا: عناوين إخبارية كبرى تروج لتصريحات الرؤساء التنفيذيين وكأنها حقائق مطلقة. لا سياق، لا تدقيق، لا تحدٍ. مجرد ترديد أعمى لمزاعم، مهما بلغت غرابتها أو انعدام صلتها بالواقع. إنها ظاهرة تضرب بعمق في نسيج الصحافة الحديثة، محوّلة المنابر الإعلامية إلى أبواق دعائية مغلفة ببريق الأخبار.

منذ زمن بعيد، وقبل حتى أن تستفحل سطوة قوى السلطوية، كانت الصحافة الأمريكية -على الأقل- تميل إلى دعم مصالح الشركات الكبرى وطبقة الاستحواذ. هذا الميل كان سابقًا موضع نقاش أكاديمي. اليوم، تلاشى أي ادعاء بالحيادية تمامًا. أصبحت وسائل الإعلام المدمجة، في معظمها، ذراعًا مباشرًا لمصالح المال والأعمال. تتصدى للإصلاحات التقدمية، وتصنع الأساطير حول الأثرياء، وتتحول إلى امتداد ممجد للتسويق التجاري. الغريب أن كثيرين ممن لا يزالون يعملون في هذه الصناعة لا يدركون حتى أنهم جزء من هذا المشهد.

خذ ‘إيلون ماسك’ مثلاً. هذا الرجل، المعروف بمواقفه المتقلبة ووعوده التي كثيرًا ما تبوء بالفشل، يتصدر العناوين بمزاعم مثل ‘جراحون آليون خلال ثلاث سنوات’ أو ‘الذهاب إلى المريخ، القمر مجرد إلهاء’. لا تكتفي بعض الصحف بترديد هذه التصريحات، بل تمنحها مساحة واسعة دون أدنى إشارة لسلوكه المتقلب أو سجله الطويل في الوعود الكاذبة. نتذكر وعوده بتقديم أجهزة تنفس صناعي خلال ذروة جائحة كورونا، أو ‘إصلاحه’ لمشكلة المياه في فلينت بولاية ميشيغان، أو مزاعمه الأخيرة بخفض 2 تريليون دولار من الإنفاق الحكومي المهدر. كلها تبخرت.

‘سام ألتمان’ الانتهازي، و’مارك زوكربيرغ’ المفتقر للكاريزما والابتكار، يجدان الساحة جاهزة. ألتمان يتنبأ بذكاء فائق عام هذا العام. زوكربيرغ يرى أن العالم يتجه إلى الميتافيرس كـ’الكأس المقدسة’ للتجربة الاجتماعية، وأن من لا يرتدي نظارات الذكاء الاصطناعي سيكون في ‘وضع معرفي غير مؤاتٍ’. هذه التصريحات، على الرغم من افتقارها للأساس الواقعي أو السجل المثبت، تُقدم كحقائق مستقبلية لا تقبل الجدل. التغطية الصحفية لزوكربيرغ غالبًا لا تفرقها عن إعلان تجاري مدفوع، وهذا يعكس عمق المشكلة.

الأمر لا يقتصر على أفراد. أحيانًا تتسابق عدة شخصيات بارزة في وقت واحد لإطلاق تصريحات لا حقيقة لها، أو لا فائدة منها لأحد. مثلما حدث عندما أصر ‘جيري كاردينالي’، قطب الأسهم الخاصة، على أن المال السعودي سيخدم الديمقراطية الأمريكية عبر مساعدة أثرياء اليمين المتطرف على شراء الإعلام الأمريكي بأكمله. هذا النوع من الأخبار، الذي يأتي من مسؤولين تنفيذيين لهم تضاربات مالية واضحة، يُقدم وكأنه تحليل استراتيجي لا مصلحة خفية وراءه.

هذه ليست مجرد أخطاء فردية. إنها نمط واضح. لا يمكن للصحفي أن يشكك في كلام الرئيس التنفيذي، حتى لو كان سجله حافلاً بالوعود الكاذبة. لا يمكن تقديم أي سياق تاريخي مفيد حول تصريحات الشركة أو الإدارة السابقة. لا يُسمح بالتحدث إلى خبير مستقل أو أكاديمي في المجال المعني، خاصة إذا كان يميل إلى نقد الرئيس التنفيذي. متابعة الحقائق قد تبطئ النشر وتؤثر على حركة الإعلانات. والأهم: لا عودة أبدًا لتقييم مدى صدق هذه المزاعم بعد مرور الوقت. هكذا تُصنع محاكاة صحفية، تبدو كأنها صحافة، لكنها خالية من أي مضمون حقيقي.

لقد أصبحت هذه المحاكاة الصحفية ناقوس خطر حقيقي للصحافة ذات المصلحة العامة. إنها تؤدي إلى إعلام يطبع الفساد المستشري ويتجاهل تأثيره على العالم الحقيقي. كل هذا يدعمه طبقة من ‘أباطرة الإعلام’ ومن ارتقوا عبر المحسوبية، الذين يصرون على أن هذه المشاكل غير موجودة، ويتحدثون عن ‘جدران فصل’ وهمية بين مصالح الملكية والتحرير. هؤلاء تم تدريبهم على تطبيع المشكلة أو التقليل من شأنها، كشرط لاستمرار عملهم في إعلام مدمج، يقع تحت سيطرة أثرياء ويشهد تسريحات جماعية.

كان هذا الوضع مشكلة قائمة قبل وصول موجات التسلط إلى سدة الحكم. لكنه اليوم أسوأ بكثير. لقد أثبت ‘حكم الأسوأ’ كيف يمكن لأكثر الأثرياء وأقلهم أخلاقًا استغلال هذه الثغرات بمئات الطرق. لا يمكننا أن نختتم بدعوة نبيلة لصناعة الإعلام الأمريكية لتحسين أدائها. فمن الواضح تمامًا أنهم لا يريدون ذلك.

Exit mobile version