الأخبار

شيخ الأزهر من روما: غياب العدل المطلق أشعل حروب العالم وأزماته

في كلمة تاريخية، الإمام الأكبر يشخص أمراض العالم ويضع خريطة طريق للسلام تبدأ من فلسطين وتمر بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي

في كلمة قوية ومباشرة من العاصمة الإيطالية روما، وضع فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، يده على أصل الأزمات التي تعصف بالعالم، مؤكدًا أن غياب مفهوم “العدل المطلق” هو القاعدة التي انحرفت عنها الحضارة المعاصرة، مما تسبب في الحروب والاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية التي نشهدها اليوم. جاءت كلمة الإمام الأكبر خلال مشاركته في القمة العالمية التي تنظمها جمعية “سانت إيجيديو”، بحضور قادة سياسيين ودينيين بارزين.

لم تكن الكلمة مجرد خطاب تقليدي، بل كانت بمثابة تشخيص دقيق لعلل النظام العالمي الراهن. فقد ربط شيخ الأزهر بين إغفال القيم الإنسانية الكبرى وبين اندلاع الحروب العبثية التي تُفرض على الشعوب الفقيرة، مشيرًا إلى أن هذا التجاهل أدى إلى انقسام العالم بين شمال مترف وجنوب يئن تحت وطأة الفقر والبطالة والمجاعة، وهو ما يعكس خللًا بنيويًا في توزيع الثروات والفرص على المستوى الدولي.

فلسطين.. صحوة الضمير الإنساني

خصص الإمام الأكبر حيزًا كبيرًا من كلمته للحديث عن القضية الفلسطينية، معتبرًا إياها المقياس الحقيقي لعدالة العالم. وأعرب عن تقديره العميق للدول التي اتخذت خطوة شجاعة بالاعتراف بدولة فلسطين، واصفًا هذا التحرك بأنه “صحوة للضمير الإنساني وانتصار للحق الفلسطيني المسلوب”. هذه الإشادة تأتي في سياق حراك دبلوماسي متزايد يهدف إلى فرض واقع سياسي جديد يدعم الحقوق الفلسطينية.

بلهجة حاسمة، شدد أحمد الطيب على أن المجتمع الدولي بات مجمعًا على أن حل الدولتين هو الطريق الوحيد لتحقيق السلام، مؤكدًا أنه “لا سلام في الشرق الأوسط بدون إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف”. كما وجه تحية خاصة لأحرار العالم الذين لم يصمتوا أمام ما وصفه بـ”مجازر غزة”، في إشارة واضحة إلى أن صوت الشعوب الحرة لا يزال يمثل قوة ضغط أخلاقية لا يمكن تجاهلها.

ميثاق أخلاقي للذكاء الاصطناعي

في نقلة نوعية، انتقل شيخ الأزهر للحديث عن تحديات المستقبل، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي. حذر فضيلته من أن هذه التقنية، التي أصبحت قوة محركة للمجتمعات، تقف عند مفترق طرق حضاري، فإما أن تُستخدم لتعميق التقهقر الأخلاقي، أو تُسخَّر كقوة دافعة لتصحيح المسار الإنساني وبناء مستقبل أكثر إنصافًا. وأكد أن حماية القيم الروحية في مواجهة هذه التقنية ليس ترفًا، بل هو “التزام أخلاقي ومسؤولية إنسانية كبرى”.

وكشف الإمام الأكبر عن مشروع متقدم كان قد بدأه مع أخيه الراحل البابا فرنسيس، لوضع “ميثاق لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي”، وهو المشروع الذي تأخر بسبب ظروف مرض ووفاة البابا. وأعلن أن فرق عمل مشتركة من الأزهر الشريف والفاتيكان ومجلس حكماء المسلمين تعمل حاليًا على استكمال هذه الوثيقة، لتكون مرجعًا عالميًا يضمن أن تظل التقنية في خدمة الإنسان لا سيدًا عليه.

العدالة.. قانون الحياة الأعلى

أعاد شيخ الأزهر التأكيد على أن جميع الأزمات المركبة التي يعيشها العالم، من الحروب إلى الهجوم على مؤسسة الأسرة، تتنافى مع قوانين “العدل المطلق” التي أرستها الرسالات السماوية وأقرها كبار الفلاسفة عبر التاريخ. واستشهد بـ وثيقة الأخوة الإنسانية، التي وقعها مع البابا فرنسيس في أبوظبي عام 2019، كدليل على أن السلام الحقيقي ليس مجرد غياب للسلاح، بل هو حضور فاعل للعدل.

واختتم فضيلته كلمته برسالة جامعة، مفادها أن العالم لن ينهض من كبواته إلا حين يؤمن بأن العدالة هي القانون الأعلى للحياة، وأن السلام هو ثمرتها الطبيعية. وحذر من أن سبب الفساد الأكبر هو محاولة فصل الأخلاق عن الإيمان، الأمر الذي يجعل القيم الإنسانية أداة للصراع والجشع وسحق الضعفاء، مؤكدًا أن الظلم، مهما صغر، هو شرارة قادرة على إحراق السلم العالمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *