تلفح نيران الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة قطاع الطيران. تواجه مطارات رئيسية خطر التوقف عن العمل وسط معاناة المسافرين من فترات انتظار قياسية عند نقاط التفتيش. تأتي هذه الأزمة نتيجة حرمان نحو 50 ألف موظف أمني من رواتبهم، في ظل عجز الكونغرس عن التوصل لاتفاق بشأن الميزانية، ما هدد استقرار هذا القطاع الحيوي بشكل مباشر.
ووصف القائم بأعمال رئيس إدارة أمن النقل (TSA)، المسؤول عن أمن المطارات، المشهد الراهن بـ “الكارثي” و”بالغ الخطورة”. وحذر المسؤول من أن تفاقم الأوضاع قد يقود إلى شلل تام في حركة الملاحة الجوية بالبلاد.
من جانبه، كشفت ها نجوين ماكنيل، المسؤولة عن عمليات فحص الركاب، عن موجة استقالات شملت نحو 500 موظف منذ منتصف فبراير الماضي بسبب توقف صرف أجورهم. وتمثل هذه الاستقالات ضربة قوية للمنظومة الأمنية، خاصة وأن هؤلاء العناصر يمثلون خط الدفاع الأول لضمان سلامة الرحلات.
وأوضحت ماكنيل أن معدلات التغيب في عدة مطارات كبرى قفزت لتتراوح بين 40% و50%، مقارنة بمتوسط طبيعي لا يتجاوز 4%. يعود ذلك لعجز الموظفين عن سداد تكاليف التنقل للعمل، فمع انقطاع الدخل، وجد الكثيرون أنفسهم مضطرين للمفاضلة بين البحث عن عمل بديل أو التغيب القسري.
هذا النقص الحاد في الكوادر أدى إلى تسجيل أطول فترات انتظار في تاريخ الوكالة، حيث تجاوزت في بعض الحالات 4.5 ساعة، مما ولد حالة من السخط والغضب العارم بين المسافرين.
ولا تلوح في الأفق بوادر حل لهذه الأزمة المتصاعدة، في ظل استمرار الخلاف الحاد بين الديمقراطيين والجمهوريين حول تمويل وزارة الأمن الداخلي. يعكس هذا الاستعصاء السياسي حجم الانقسام في واشنطن، إذ باتت الملفات السيادية ساحة للمساومات الحزبية الضيقة.
ويتمسك الديمقراطيون بضرورة إجراء إصلاحات في إجراءات الهجرة والترحيل، على خلفية مقتل شخصين في مينيابوليس مطلع العام الجاري برصاص ضباط وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك (ICE)، وهي الحوادث التي فجرت موجة احتجاجات واسعة.
وفي محاولة لسد العجز، نشرت إدارة ترامب عملاء من وكالة (ICE) في بعض المطارات لتنفيذ ما وصفتها ماكنيل بـ “مهام فحص غير تخصصية”. وهي خطوة وصفها المعارضون بالاستفزازية، مؤكدين أنها تزيد من التوتر في مطارات تئن بالفعل تحت وطأة الضغوط اللوجستية.
موظفون ينامون في سياراتهم
وعلى جبهة أخرى، يقف موظفو إدارة أمن النقل على حافة الانهيار. فقد دفعتهم الظروف القاسية لاتخاذ تدابير يائسة للصمود وتأمين لقمة العيش، في صورة تجسد المأساة الإنسانية الكامنة وراء الأرقام.
وفي شهادة صادمة أمام لجنة الأمن الداخلي بمجلس النواب، قالت ماكنيل: “إن بعض الموظفين يضطرون للنوم في سياراتهم، أو يبيعون بلازما الدم، أو يعملون في وظائف إضافية لتغطية نفقاتهم”. وأضافت أن هؤلاء يطالبون بأداء واجبهم بأقصى درجات اليقظة وهم يرتدون الزي الرسمي لحماية الركاب، رغم واقعهم المعيشي المرير.
ولم تتوقف الأزمة عند الجانب المادي، بل كشفت ماكنيل عن قفزة بنسبة 500% في حوادث الاعتداء على الموظفين منذ بدء الإغلاق؛ إذ بات المسافرون يفرغون إحباطهم في موظفين هم أنفسهم ضحايا لهذا الانسداد السياسي.
في غضون ذلك، أطلق مدير مطارات هيوستن تحذيراً من أن فترات الانتظار التي تبلغ حالياً 4 ساعات مرشحة للزيادة بشكل كارثي، ما قد يؤدي لتعطيل حركة السفر كلياً ما لم يتم التوصل إلى تسوية سريعة.
وذكر جيم شيزنياك، في مقطع فيديو رسمي، أن المطار اضطر لإعادة توزيع موظفين من أقسام تكنولوجيا المعلومات والمالية والصيانة للمساعدة في تنظيم الطوابير. لكنه شدد على أن هذه الحلول المؤقتة لا يمكن أن تكون بديلاً مستداماً عن العناصر الأمنية المدربة.
وامتدت مشاهد الفوضى إلى مطار لاغوارديا في نيويورك، حيث رُصدت طوابير طويلة امتدت على طول مبنى الركاب B تقريباً بعد ظهر الأربعاء، ما يعكس شمولية الأزمة للمطارات الرئيسية في البلاد.
من جانبها، أقرت رئيسة الوكالة خلال جلسة الاستماع بأن ثغرات أمنية خطيرة قد تبرز عند تدفق جماهير كأس العالم في يونيو المقبل، خاصة وأن استضافة الفعاليات الدولية تتطلب أقصى درجات التأهب الأمني.
وأشارت ماكنيل إلى أن عملية تأهيل وتدريب الموظفين الجدد تتطلب فترة تتراوح بين 4 إلى 6 أشهر. وحذرت من تراجع كبير في طلبات التوظيف، وهو ما يضع علامات استفهام حول القدرة على سد الفراغ الذي خلفته الاستقالات.
وفي تطور لافت، رفض البيت الأبيض عرضاً تقدم به الملياردير إيلون ماسك لتحمل رواتب موظفي إدارة أمن النقل خلال فترة الإغلاق، بحسب تقرير لشبكة “سي بي إس نيوز”، في خطوة أثارت تساؤلات حول أولويات التعامل مع الأزمة.
وكان ماسك، أغنى رجل في العالم، قد طرح مبادرته عبر منصة “إكس” نهاية الأسبوع الماضي، في مسعى شخصي لتقليل وطأة المعاناة المعيشية التي يواجهها الموظفون المتأثرون بالإغلاق.
