صحة

شاشات الرضع: خطر يهدد الدماغ والقلق يتربص بالمراهقة

دراسة صادمة تكشف العلاقة بين وقت الشاشة المبكر وبطء اتخاذ القرار وزيادة القلق لدى الأطفال، والقراءة هي الحل السحري.

هل يدرك الآباء الجدد أن الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية التي يضعونها بين أيدي أطفالهم الرضع قد تحمل في طياتها بذور القلق وبطء اتخاذ القرار في المستقبل؟ دراسة حديثة تدق ناقوس الخطر، كاشفة عن تداعيات صادمة للتعرض المبكر والمطول للشاشات على نمو دماغ الأطفال.

فقد أظهرت الأبحاث، التي تابعها باحثون من سنغافورة على مدى أكثر من عقد، أن الأطفال الذين أمضوا وقتاً طويلاً أمام الشاشات قبل بلوغ عامين، شهدوا تسارعاً غير طبيعي في نضج شبكات الدماغ المسؤولة عن المعالجة البصرية والتحكم المعرفي. هذا النضج المتسارع، الذي قد يبدو إيجابياً للوهلة الأولى، ارتبط بشكل مباشر ببطء ملحوظ في اتخاذ القرارات خلال مرحلة الطفولة، وتصاعد مقلق في مستويات القلق عند وصولهم سن المراهقة.

شاشات الرضع: نضج متسارع وتداعيات خطيرة

توضح الدكتورة هوانج باي، إحدى المؤلفات الرئيسيات للدراسة المنشورة في مجلة The Lancet، أن مسار نمو الدماغ الطبيعي يتضمن تخصصاً تدريجياً لشبكاته مع مرور الوقت. لكن الأطفال الذين غرقوا في عالم الشاشات مبكراً، شهدوا تخصصاً أسرع لشبكات الرؤية والإدراك، قبل أن تكتمل الروابط الفعالة اللازمة للتفكير المعقد. هذه الظاهرة، بحسب هوانج، تقلل من مرونة الدماغ وقدرته على التكيف النفسي، مما يجعل الأطفال أقل استعداداً لمواجهة تحديات الحياة لاحقاً، وهو ما تجلى بوضوح في ارتفاع درجات القلق لديهم.

جاءت هذه النتائج من دراسة أوسع تُعرف باسم “النشأة في سنغافورة نحو نتائج صحية” (GUSTO)، التي تتبعت أكثر من 1400 زوج من الأمهات والأطفال منذ عام 2009. اعتمد الباحثون على تقارير الآباء لتقدير وقت الشاشة في مرحلة الرضاعة، ثم أجروا فحوصات بالرنين المغناطيسي لأدمغة الأطفال في أعمار 4.5 و6 و7.5 سنوات لمراقبة التغيرات الفسيولوجية. كما خضع الأطفال لاختبارات معرفية في سن 8.5 سنوات لقياس سلوك اتخاذ القرار، وأكملوا استبيانات لتقييم القلق عندما بلغوا 13 عاماً.

الرابط كان واضحاً: وقت الشاشة في مرحلة الرضاعة أدى إلى تسارع نضج شبكة التحكم البصري–المعرفي في الدماغ. وهذا التسارع بدوره جعل الأطفال يستغرقون وقتاً أطول لاتخاذ القرارات في مهامهم المعرفية، وسجلوا مستويات أعلى من أعراض القلق في سنوات المراهقة.

تحذير للصحة العامة: أرقام مقلقة

يصف الباحثون هذه النتائج بأنها بالغة الأهمية للصحة العامة، خاصة وأن متوسط وقت الشاشة اليومي للرضع في العينة تجاوز “ساعة إلى ساعتين يومياً”. هذا الرقم يتجاوز بكثير توصيات منظمة الصحة العالمية، التي تحذر من جلوس الأطفال بعمر عام واحد أمام الشاشات، وتوصي بألا تتجاوز ساعة واحدة يومياً للأطفال بعمر سنتين، مع التأكيد على أن “الأقل هو الأفضل”. (اطلع على توصيات منظمة الصحة العالمية)

الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن هذه البيانات جُمعت بين عامي 2010 و2014. يتوقع الباحثون أن المستويات الحالية لاستخدام الشاشات قد تكون أعلى بكثير، خصوصاً مع الزيادات العالمية التي شهدتها جائحة فيروس كورونا، مما يجعل التداعيات التنموية لهذه النتائج أكثر إلحاحاً وخطورة. دراسة سابقة للفريق البحثي نفسه كشفت أيضاً أن وقت الشاشة في مرحلة الرضاعة يرتبط بضعف القدرة على تنظيم العواطف في مراحل لاحقة.

القراءة هي الحل: درع يحمي الدماغ

إذاً، ما هو المخرج من هذا المأزق الرقمي الذي يحيط بأطفالنا؟ الحل بسيط وفعال: ضع الهاتف الذكي جانباً، وأخفِ الجهاز اللوحي، وامسك بكتاب جيد. فالقراءة للأطفال ليست مجرد نشاط ترفيهي، بل هي درع حقيقي يحمي أدمغتهم النامية.

تكشف الدراسة أن الأطفال الذين اعتاد آباؤهم على القراءة لهم بانتظام في سن الثالثة، أظهروا ارتباطاً أضعف بين وقت الشاشة والتغيرات السلبية في نمو الدماغ. هذا يعني أن التفاعل النشط والإثراء المعرفي الناتج عن القراءة وطرح الأسئلة يساهمان بشكل كبير في تحسين تنظيم العواطف والمهارات اللغوية، ويدعمان نمو الدماغ بوتيرة صحية ومتوازنة عبر مجالات معرفية متعددة.

تؤكد الدكتورة تان آي بينج، المؤلفة الرئيسية المشاركة في الدراسة، أن هذا البحث يقدم تفسيراً بيولوجياً مقنعاً لأهمية الحد من وقت الشاشة خلال العامين الأولين من العمر. لكنه في الوقت ذاته، يسلط الضوء على الدور المحوري لمشاركة الوالدين، مبيناً أن أنشطة بسيطة وممتعة مثل القراءة المشتركة يمكن أن تحدث فارقاً حقيقياً في مستقبل أطفالنا. تقليص وقت الشاشات وتعزيز القراءة والتفاعل الأسري يظل الخيار الأمثل لنمو دماغي صحي، بعيداً عن الاعتماد على الأجهزة الرقمية كبديل عن الرعاية المباشرة والتواصل البشري الثري.

مقالات ذات صلة