سوريا: عام الإنجازات الاقتصادية الكبرى.. وتحديات 2026 تنتظر الإدارة الجديدة
رفع العقوبات وتحسن الطاقة أبرز مكاسب 2025.. وإعادة الإعمار والأمن في صدارة تحديات 2026

اختتمت سوريا عام 2025 بسلسلة من الإنجازات البارزة تحت قيادة الرئيس أحمد الشرع، شملت رفع العقوبات الغربية وعودة البلاد إلى النظام العالمي، فضلاً عن تطوير وتحسين قطاعات اقتصادية حيوية كالنفط والغاز. بيد أن هذه المسيرة لا تخلو من تحديات معقدة تتطلب معالجة دقيقة على مستويات عدة، بدءاً من ملف إعادة الإعمار وتثبيت دعائم الأمن، وصولاً إلى صياغة علاقات متوازنة مع القوى الكبرى مثل الصين وروسيا من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى، وهي مهام تنتظر الإدارة الجديدة في عام 2026 وما يليه.
رفع العقوبات أهم الإنجازات
يُعد رفع العقوبات الغربية عن سوريا إنجازاً محورياً، حيث وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 19 ديسمبر الجاري قانون تقويض الدفاع، الذي ألغى عقوبات “قانون قيصر” المفروضة على البلاد. وفي تعليق له، أكد محافظ مصرف سوريا المركزي، عبد القادر حصرية، أن هذا القرار يفتح آفاقاً واسعة أمام سوريا، أبرزها إمكانية الحصول على تصنيف ائتماني سيادي، مشيراً إلى أن الإلغاء يزيل عقبة قانونية رئيسية أمام اندماج سوريا مجدداً في المنظومة المالية العالمية. وكشف حصرية عن خطط للحصول على تصنيف ائتماني سيادي استشاري غير معلن كمرحلة أولى، يليه تصنيف علني فور تحسن الظروف، متوقعاً أن يكون التصنيف الأولي منخفضاً، وهو أمر طبيعي للدول الخارجة من صراعات. من الناحية العملية، يتوقع أن يكون لإلغاء العقوبات تأثير اقتصادي كبير. ففي حوار مع “الشرق”، أوضح حصرية أن هذه الخطوة ستعزز الاستثمار والنقل، وترفع مساهمة القطاع المالي في الناتج المحلي الإجمالي، مؤكداً أن القطاع المالي سيكون المستفيد الأكبر بعد سنوات من العزلة. وقد بدأت بوادر إزالة العقوبات تظهر حتى قبل التوقيع الرسمي للقانون، حيث عادت سوريا للعمل بنظام “سويفت” العالمي، وبدأت مصارف دولية وإقليمية بالتعامل معها. كما أبرم مصرف سوريا المركزي اتفاقية مع شركة “فيزا” العالمية، تهدف إلى وضع خارطة طريق لتطوير منظومة المدفوعات الرقمية.
تحديات في ملف العقوبات
رغم الإنجازات، تبرز تحديات كبيرة أمام هذا القطاع في عام 2026. ينص القانون الأمريكي الجديد على إلزام الرئيس بتقديم تقرير للكونغرس كل ستة أشهر على مدار السنوات الأربع القادمة، لتقييم مدى التزام الحكومة السورية باتخاذ “إجراءات ملموسة” في ملفات عدة، منها القضاء على تهديد “الجماعات الإرهابية”. هذا يضع الحكومة السورية أمام ضغوط أمريكية وغربية لمواجهة هذه التهديدات، في ظل استمرار جهودها لبناء الجيش وترسيخ سيطرتها على كامل الأراضي، وتصاعد هجمات تنظيم “داعش” في مناطق مختلفة من البلاد.
تحسن في الكهرباء وإنتاج النفط والغاز
عقب توليها السلطة مباشرة، بادرت الإدارة الجديدة إلى إطلاق عمليات صيانة وتطوير مكثفة لمنشآت الكهرباء والغاز والنفط، إدراكاً منها لدور هذه القطاعات كركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية وعامل مباشر في تحسين مستوى معيشة المواطنين، خاصة وأن نسبة الفقر في البلاد بلغت 90%. وفي تصريحات سابقة لـ”الشرق”، أوضح خالد أبو دي، المدير العام لمؤسسة نقل وتوزيع الكهرباء، أن الإنتاج الكهربائي لا يغطي سوى 20% من الاحتياجات الحالية، مشيراً إلى أن تكلفة إعادة تأهيل القطاع تقدر بنحو 40 مليار دولار، أي ما يعادل ضعف الناتج المحلي الإجمالي الراهن. ومع ذلك، نجحت البلاد خلال العام في رفع إنتاج الطاقة الكهربائية إلى 2400 ميغاواط بفضل التحسينات وأعمال الصيانة، مما أسهم في تخفيف ساعات التقنين في المحافظات، فيما تتواصل الجهود لاستقطاب شركات إقليمية وعالمية للاستثمار في هذا القطاع.
أبرز الاتفاقات الموقعة في مجال الكهرباء في 2025
- نوفمبر: سوريا تستعين بـ”أكوا باور” السعودية لوضع خطة تطوير قطاع الطاقة حتى 2040.
- نوفمبر: دمشق تبحث مع البنك الدولي إطلاق مشاريع في قطاع الكهرباء.
- نوفمبر: تفاوض مع “سيمنز” و”جنرال إلكتريك” لتوريد توربينات كهرباء ضمن مشروع ضخم لإعادة بناء قطاع الطاقة.
- أغسطس: السعودية وسوريا توقعان اتفاقية و6 مذكرات لتعزيز التعاون في قطاع الطاقة.
- مايو: أعلنت سوريا توقيع مذكرات بقيمة 7 مليارات دولار مع عدد من الشركات، بهدف إنعاش قطاع الكهرباء في البلاد.
- فبراير: سوريا تبدأ إنتاج الغاز من بئر “تيأس 5” لدعم محطات الكهرباء
وفي سياق متصل، شهد قطاع النفط جهوداً لزيادة معدلات الإنتاج لتصل إلى حوالي 100 ألف برميل يومياً، بعد أن كانت لا تتجاوز 30 ألف برميل يومياً في عام 2023، مقارنة بـ 400 ألف برميل بين عامي 2008 و2010. ووفقاً لتصريحات وزير الطاقة السوري محمد البشير لـ”تلفزيون سوريا”، تُقدر احتياجات البلاد الحالية من النفط بنحو 120 ألف برميل يومياً، مع توقعات بارتفاعها إلى 200 ألف برميل في المرحلة القادمة، مدفوعة بتسارع وتيرة إعادة الإعمار وعودة النشاط للقطاعات الإنتاجية والخدمية. وتضم سوريا مصفاتين رئيسيتين للنفط: مصفاة “بانياس” بطاقة 120 ألف برميل يومياً، ومصفاة “حمص” بطاقة 100 ألف برميل يومياً. وفي أبريل، أعلنت البلاد عن إعادة تشغيل مصفاة “بانياس” للمرة الأولى منذ سقوط النظام السابق، كما صدرت شحنة من النفط الثقيل بلغت 600 ألف برميل، وهي الأولى منذ سنوات. أما في قطاع الغاز، فقد أبرمت سوريا اتفاقات متعددة مع شركات إقليمية وغربية بهدف تطوير هذا القطاع، في خطوة يتوقع أن تساهم تدريجياً في زيادة الإنتاج المحلي، الذي تراجع بسبب الحرب إلى حوالي 10 ملايين متر مكعب يومياً، وهو مستوى يقل عن احتياجات محطات توليد الكهرباء المقدرة بـ 18 مليون متر مكعب يومياً.
أبرز تطورات ملفي الغاز والنفط في 2025
- أعلنت البلاد في أبريل تشغيل مصفاة “بانياس” للمرة الأولى منذ سقوط نظام الأسد
- تعكف البلاد على بناء مصفاة جديدة بطاقة تبلغ 150 ألف برميل يومياً.
- تمكنت من تصدير شحنة قدرها 600 ألف برميل من النفط الثقيل، في خطوة هي الأولى من سنوات.
- وقّعت سوريا في نوفمبر مذكرة مع شركتي “كونوكو فيليبس” و”نوفاتيرا” الأميركيتين، لتطوير قطاع الغاز.
- وقعت “دانة غاز” الإماراتية مذكرة تفاهم تمهيداً للاستثمار في قطاع الطاقة بالبلاد.
أبرز تحديات ملفي النفط والغاز
تكمن العقبة الأساسية في ملفي النفط والغاز في سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) على معظم مواقع إنتاج النفط في شمال شرق البلاد. ورغم التوصل إلى اتفاق بين الحكومة و”قسد” في 10 مارس الماضي، لا تزال التعقيدات مستمرة، كما يتضح من الاشتباكات الأخيرة بين القوات الحكومية وقوات “قسد” في حلب. يضاف إلى ذلك، أن الاهتمام الإقليمي والغربي بتطوير هذين القطاعين لن يؤدي إلى زيادة فورية في الإنتاج، نظراً لأن الاستثمارات في هذه المجالات عادة ما تكون “طويلة الأجل”، بحسب تصريحات حصرية. وتخطط سوريا للبدء بالتنقيب عن النفط والغاز في البحر، وفقاً لوزير الطاقة محمد البشير، مع الأخذ في الاعتبار التداخل التاريخي لمكامن النفط والغاز بين سوريا ولبنان، مما يستدعي اتفاقاً واضحاً لترسيم الحدود البرية والبحرية بين البلدين. لذا، تحتاج السلطات السورية إلى إنجاز هذه الملفات وحلها لتقديم ضمانات واضحة وطويلة الأمد للشركات الراغبة في تطوير القطاعين، بهدف استعادة مستويات الإنتاج لما كانت عليه قبل الحرب، أو حتى تجاوزها.
النقل والسياحة أولوية
لم تتوقف الإنجازات عند القطاعات النفطية، بل امتدت لتشمل القطاعات الخدمية التي تسهم في تعزيز تدفق العملات الصعبة، مثل السياحة. فقد شرعت السلطات في تعزيز عمليات نقل المنتجات النفطية من دول مثل السعودية وتركيا وقطر وأذربيجان إلى سوريا. كما سيتم تخصيص جزء من منحة البنك الدولي البالغة 146 مليون دولار لإصلاح محطات التحويل في المناطق المتضررة، وتجري مباحثات مع لبنان لتحديث اتفاقية ربط الكهرباء، مع العمل على تحسين تشغيل أنبوب النفط الرابط بين البلاد والعراق. وفي نوفمبر، أصدر الرئيس السوري قراراً بتشكيل “الهيئة العامة للمنافذ والجمارك”، بهدف إعادة تنظيم عمل المنافذ البرية والبحرية والمناطق الحرة، وتعزيز كفاءة الإجراءات الجمركية واللوجستية. جاء ذلك عقب إعلان سوريا في أغسطس عن إحدى أضخم خططها الاستثمارية منذ عقود، والتي تضمنت 12 مشروعاً استراتيجياً، أبرزها تطوير وتوسعة مطار دمشق الدولي، وإنشاء شبكة مترو في العاصمة، إلى جانب مشاريع عقارية وتجارية ضخمة، بعقود بلغت قيمتها 14 مليار دولار. وفي ديسمبر الجاري، كشفت دمشق أيضاً عن حزمة مشاريع سياحية بقيمة 1.5 مليار دولار، تشمل تطوير منشآت قائمة وإنشاء فنادق ومنتجعات ومدن ترفيهية.
تحديات أمام قطاع السياحة في 2026
على الرغم من اهتمام شركات كبرى مثل “بن داود للاستثمار” السعودية و”الحبتور” الإماراتية بقطاع السياحة السوري، فإن أي نهوض لهذا القطاع مرهون بتحقيق الاستقرار الأمني. فالبلاد لا تزال تشهد تصاعداً في هجمات تنظيم “داعش”، إلى جانب اشتباكات متفرقة، كان آخرها في السويداء. كما تشكل الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة تحدياً خطيراً يعيق جهود الدولة في بناء قطاعاتها الاقتصادية. هذه التوترات الأمنية قد تؤثر سلباً على رغبة الشركات في الاستثمار بالسوق السورية، وعلى تدفق رؤوس الأموال المخصصة لهذا القطاع الذي يعتمد بشكل أساسي على الاستقرار الأمني والسياسي.
إنجازات السياسة النقدية
تدرك سوريا أن تحقيق النهضة الاقتصادية يتطلب إصلاحات جوهرية في سياستيها المالية والنقدية. وفي هذا الصدد، كشف محافظ مصرف سوريا المركزي، حصرية، في نوفمبر عن خطة ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية: أولها “توفير مؤسسات مالية استثمارية”. وقد أصدر المصرف المركزي بالفعل التعليمات التنفيذية لترخيص المصارف الاستثمارية، وبدأ حوارات مع بنوك ومستثمرين مهتمين بتأسيس هذه المصارف الجديدة. أما المحور الثاني فيتمثل في “إصلاح القطاع المصرفي وإعادة تأهيل المصارف القائمة”، بهدف الوصول إلى 30 مصرفاً في البلاد بحلول عام 2030. ويركز المحور الثالث على جعل سوريا “مركزاً إقليمياً” للتمويل الإسلامي، إلى جانب دول الخليج وماليزيا. كما أعلن عن خطط لتطبيق “الانضباط المالي”، وإعادة هيكلة هيئة مكافحة غسل الأموال، بهدف تحسين تصنيف البلاد ضمن القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي “فاتف”، إضافة إلى إعداد حزمة من القوانين الجديدة لمكافحة غسل الأموال. ويعمل المصرف المركزي السوري أيضاً بجد لتغيير العملة الوطنية التي تحمل صوراً من حقبة النظام السابق.
تحديات السياسة النقدية
يواجه البنك المركزي والسلطات النقدية تحدياً رئيسياً يتمثل في نقص البيانات الموثوقة، وهو ما أقره المحافظ حصرية. وأشار حصرية إلى تقديرات أولية تفيد بتراجع التضخم من 170% إلى حوالي 15%، موضحاً أن أسعار بعض السلع انخفضت بعد فتح باب الاستيراد وتخفيض الرسوم الجمركية وتحسن سعر الصرف بنسبة 30%. واستشهد حصرية بمؤشرات تعافي الاقتصاد السوري، متوقعاً تحقيق “نمو مكون من رقمين” بدعم من عودة اللاجئين، وهو ما يتجاوز بكثير تقديرات البنك الدولي البالغة 1%. كما اعتبر استيراد سيارات بقيمة تقارب 5 مليارات دولار خلال العام المنتهي دليلاً على توفر التدفقات الأجنبية والدولار في السوق المحلية. علاوة على ذلك، يحتاج القطاع المصرفي السوري إلى إعادة تأهيل، خاصة في ظل تأثره بالأزمة الاقتصادية اللبنانية، مما دفع المصرف المركزي إلى منح البنوك مهلة ستة أشهر لتقديم خطط لتغطية خسائرها في لبنان. وأفاد حصرية باستعادة أكثر من 50% من ودائع القطاع الخاص التي تم التصرف فيها خلال فترة النظام السابق. أما بخصوص الودائع الخارجية، فأكد أن العمل جارٍ على تفعيل استخدامها بعد رفع العقوبات، بهدف إعادة بناء الاحتياطيات الخارجية للبلاد. ورغم التوقعات الواسعة بإعلان سوريا عن عملتها الجديدة بالتزامن مع الذكرى السنوية الأولى لسقوط النظام، إلا أن تأخر هذه الخطوة يعكس حجم التعقيدات المرتبطة بهذا الملف، حيث وصفها حصرية بأنها “ليست سهلة أو بسيطة” مؤكداً في الوقت ذاته أنها قيد التنفيذ وستتم قريباً.
إنجازات مالية مرتقبة
يعود القانون الضريبي المعمول به في سوريا إلى عام 1949، وقد استمر لعقود طويلة رغم تعاقب الحكومات والأنظمة، معتمداً على نموذج الضرائب النوعية، وهو ما تخلت عنه معظم دول العالم لصالح الضرائب التصاعدية على إجمالي دخل الأفراد والشركات. وفي هذا السياق، وضعت وزارة المالية اللمسات النهائية لنظام ضريبي جديد من المقرر أن يبدأ تطبيقه مطلع العام المقبل. ويتضمن النظام تحديد نسب ضريبية عادلة للشركات حسب قطاعاتها، ودمج وتوحيد الرسوم لتجنب الازدواجية، مع السعي لتحقيق التنافسية مع دول الجوار من حيث الإجراءات والنسب، وفقاً لبيان صادر عن وزارة المالية في يوليو الماضي. كما أدخلت الوزارة تغييرات على نهجها السابق، حيث أكدت في يناير الماضي أن الحكومة تدرس خصخصة الشركات الحكومية، خصوصاً تلك التي تعاني من الخسائر. وفيما يخص السوق المالية، كشف برنية عن خطط لرفعها إلى مصاف الأسواق الناشئة خلال سبع سنوات، ضمن مسار اقتصادي جديد يشمل إصلاحات ضريبية، وإعادة هيكلة الإنفاق، وإطلاق أدوات تمويل حديثة، منها صكوك سيادية للمرة الأولى في تاريخ البلاد. وأوضح أن العمل يجري لتطوير سوق دمشق للأوراق المالية، التي استأنفت التداول في يونيو الماضي، وإعادة هيكلتها لزيادة جاذبيتها للمستثمرين المحليين والدوليين، بالتوازي مع إصلاحات في قطاع التأمين وحوكمة الشركات العامة، بما يعزز التنافسية والاستدامة. وقد ارتفعت القيمة السوقية الإجمالية لسوق دمشق للأوراق المالية، منذ استئناف التداول في يونيو الماضي وحتى الآن، إلى 25 تريليون ليرة (حوالي 2.25 مليار دولار)، بزيادة 636 مليون دولار ونمو 37%، مما يعد مؤشراً على عودة الثقة لأسواق المال السورية، بحسب رئيس مجلس مفوضي هيئة الأوراق المالية في دمشق، عبد الرزاق القاسم، لـ”الشرق”.
تحديات السياسة المالية
بعد مرور عام على سقوط النظام السابق، لم تضع الإدارة الجديدة بعد موازنة للعام الجاري أو المقبل. ومع ذلك، تتضح بعض ملامحها الرئيسية؛ فقد أكد وزير المالية السوري في أغسطس الماضي أن موازنة 2026 ستركز على الإنفاق في قطاعي الصحة والتعليم، مع تحسين رواتب وأجور العاملين في الدولة، بالإضافة إلى اهتمام كبير بالإنفاق الاستثماري. ويشكل رفع الأجور تحدياً رئيسياً آخر أمام البلاد. ففي يناير الماضي، أعلنت سوريا عن خطط لزيادة رواتب موظفي القطاع العام بنحو 400% “اعتباراً من الشهر المقبل”، بحسب تصريحات وزير المالية السابق محمد أبازيد لوكالة “رويترز”. لكن هذا لم يتحقق في الموعد المحدد، مما يشير إلى التحديات التمويلية التي تواجه سوريا. وبدلاً من ذلك، تم رفع الأجور بنسبة 200% كمرحلة أولى، على أن تستكمل المرحلتان الثانية والثالثة في عام 2026، وفقاً لما صرح به وزير المالية الحالي محمد يسر برنية في سبتمبر الماضي. وأشار برنية حينها إلى أن هذه الإجراءات “لم تؤدِّ إلى اختلالات كبيرة بفضل تحسين الإيرادات الجمركية والضريبية”، مؤكداً أن استدامة هذه الزيادات ستعتمد على “الموارد الذاتية عبر تحسين الإيرادات ومكافحة الفساد، إلى جانب مراقبة الأسعار لمنع التضخم”.
إعادة الإعمار أبرز تحديات 2026 الطارئة
يبرز ملف إعادة الإعمار كأحد أبرز التحديات الاقتصادية الملحة أمام سوريا، فهو المحرك الأساسي لعمل القطاعات الأخرى بكامل طاقتها، وضروري لعودة ملايين السوريين المهجرين إلى وطنهم. وقد قدر البنك الدولي تكلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، أي ما يعادل حوالي 10 أضعاف الناتج المحلي الإجمالي المتوقع لعام 2024. وتشمل هذه التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية. في المقابل، قدر الرئيس السوري أحمد الشرع، في مقابلة مع شبكة “سي بي إس” الأمريكية، تكلفة عملية إعادة الإعمار بما يتراوح بين 600 و900 مليار دولار. إن ضخامة هذا المبلغ، مقارنة بحجم الاقتصاد السوري بعد الحرب، يؤكد أن البلاد لا تستطيع إنجاز هذه المهمة بمفردها، وهو ما شدد عليه الشرع، مؤكداً أن العملية “تتطلب دعماً واسعاً من المجتمع الدولي”.
دعم عربي وإقليمي
تجلّى الدعم الخارجي بوضوح في عام 2025، حيث نجحت البلاد في استقطاب استثمارات أجنبية بقيمة 28 مليار دولار خلال العام الجاري، وتطمح لجذب 100 مليار دولار ضمن جهود إعادة الإعمار. وتخطط سوريا لإطلاق جولة ترويجية في الخليج والولايات المتحدة وأوروبا العام المقبل، بهدف استقطاب المزيد من الاستثمارات. وقد لعبت دول الخليج، وخاصة المملكة العربية السعودية، دوراً محورياً في دعم سوريا بهذا الملف. أرسلت المملكة وفداً إلى دمشق برئاسة وزير الاستثمار خالد الفالح، ضم أكثر من 120 مستثمراً، لـ”تدشين عهد استثماري جديد” بين البلدين. كما وقعت اتفاقيات استثمارية مع سوريا تتجاوز قيمتها 6 مليارات دولار، وتتجه الشركات السعودية للاستثمار في قطاعات سورية متنوعة. ومن المتوقع أن توجه هذه الاستثمارات إلى 11 قطاعاً رئيسياً: الإسكان، السياحة، البنية التحتية، الأغذية، الصناعة، الطاقة، الموارد البشرية، الطيران والملاحة، التجارة والاستثمار، الاتصالات وتقنية المعلومات، والمشاريع والخدمات المالية، وفقاً لتصريح سابق لوزير المالية محمد يسر برنية لـ”الشرق”. وقد تجسد “العهد الجديد” بين المملكة وسوريا في تعزيز العلاقات الثنائية. حيث بلغت قيمة الصادرات السعودية إلى سوريا 1.2 مليار ريال في تسعة أشهر فقط، مقارنة بـ 558 مليون ريال لعام 2024 بأكمله. من جانبه، أكد صندوق النقد الدولي التزامه بدعم جهود دمشق للتعافي، مشدداً على حاجة البلاد لمساعدات دولية ضخمة لتلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة وإعادة بناء البنية التحتية.
نسج علاقات سياسية مع خصوم الأمس
لطالما دعمت الصين وروسيا النظام السابق بشكل علني، حتى أن موسكو منحت بشار الأسد حق اللجوء. لكن الإدارة الجديدة، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، اختارت طي صفحة الصراع ومد جسور التعاون نحو خصوم الأمس، بالتوازي مع تعزيز العلاقات مع الغرب، لا سيما الولايات المتحدة. ففي نوفمبر الماضي، أبدت الصين استعدادها للمشاركة في جهود إعادة الإعمار، مؤكدة احترامها لخيارات الشعب السوري، وذلك عقب زيارة قام بها وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى بكين لمناقشة سبل التعاون الثنائي. ولم يختلف موقف روسيا، الحليف التاريخي لنظام بشار الأسد، عن الموقف الصيني، حيث أكد نائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك استعداد بلاده لدعم إعادة الإعمار والعمل في حقول النفط. ويكمن التحدي الأبرز في هذا الملف في كيفية بناء هذه العلاقات الجديدة بما يحفظ حقوق سوريا، دون المخاطرة بإثارة غضب واشنطن.
تطلعات لما أبعد من 2026
تُعد هذه الملفات، رغم صعوبتها، أساسية لإعادة بناء دولة سورية جديدة ذات مكانة قوية في الاقتصاد العالمي. وأي إخفاق أو تأخر في معالجة أي منها قد يؤثر بشكل مباشر على طموحات سوريا وآمالها في التعافي من تداعيات الحرب والفترة التي سبقتها. حتى الآن، تشير تصريحات المسؤولين إلى إدراك الإدارة الجديدة لحجم التحديات الهائلة التي تواجهها، وسعيها لمعالجتها بخطط متوسطة إلى طويلة الأمد. وقد تجلى ذلك بوضوح في تصريحات حصرية، الذي أكد أن عام 2025 كان بمثابة “سنة تحضيرية ركزنا فيها على الاستقرار”، مما يوحي بأن الأعوام القادمة ستكون مفصلية في مسيرة الانطلاق نحو اقتصاد أكثر تعافياً.
سوريا تقف على مفترق طرق
تستقبل سوريا عام 2026 وهي على مفترق طرق حاسم، بين ترسيخ الاستقرار والانتقال الفعلي نحو إعادة بناء الدولة والاقتصاد. إن نجاح مسار إعادة الإعمار، وتأمين موارد الكهرباء والطاقة، وإدارة الملفين المالي والنقدي، إلى جانب معالجة التحديات السياسية والأمنية، سيحدد ما إذا كانت البلاد ستتمكن من تحويل الزخم الحالي إلى مسار تنموي مستدام، أم ستكتفي بمرحلة تعافٍ هش. ومع أن المؤشرات تدل على إدراك الإدارة الجديدة لحجم التحديات، فإن العام المقبل سيكون المحك الحقيقي لقدرتها على ترجمة التعهدات والخطط إلى واقع ملموس، ووضع حجر الأساس لدولة سورية جديدة تتبوأ مكانتها في الاقتصاد الإقليمي والعالمي.









