رياضة

سعيد الحافي: أسطورة الكرة الشراب الذي رفض الحذاء وأحبته الشوارع

من ملك الملاعب الترابية الذي تقاضى أكثر من نجوم الأهلي والزمالك، إلى نهاية حزينة في دار للمسنين... قصة الموهبة التي لم تدخل المستطيل الأخضر.

صحفي رياضي بمنصة النيل نيوز، يتابع المستجدات في عالم كرة القدم

“الكرة الشراب كانت بتجنّني”. بهذه الكلمات البسيطة لخص سعيد الحافي قصة حياته. لم تكن مجرد لعبة، بل كانت الهواء الذي يتنفسه. في شوارع إمبابة، منتصف القرن الماضي، وُلدت أسطورة. ليس في الملاعب العشبية، بل على الأسفلت الساخن. كان اسمه سعيد فتحي، لكن مصر كلها عرفته بلقب واحد: “الحافي”.

كان طفلًا مذهلًا. مهاراته لفتت الأنظار بسرعة. ما كان يفعله بلفافة قماشية بالية، عجز عنه نجوم كبار بالكرة الرسمية. كانت الشوارع تُغلق. الساحات تمتلئ عن آخرها. الجميع جاء ليرى الظاهرة. لم يكن مجرد لاعب، بل كان عرضًا فنيًا متكاملًا. انتشر اسمه كالنار في الهشيم، من إمبابة إلى كل أحياء مصر، حتى أن شهرته أجبرت كشافي الأندية على التحرك. كان لا بد من خطف هذه الموهبة الفذة.

وهنا تدخل عبده البقال، عين الأهلي التي لا تخطئ الموهبة. شاهده فانبهر. أخذه مباشرة إلى اختبارات القلعة الحمراء. كانت اللحظة التي انتظرها الجميع. لكن حدث ما لم يكن في الحسبان. الحافي لم يستطع اللعب. ببساطة، لم يقدر على مداعبة الكرة وهو يرتدي حذاءً. وكأن الحذاء كان قيدًا لموهبته، لا أداة لها. انتهت قصة الأهلي قبل أن تبدأ.

حذاء واحد حرم الأهلي من أسطورته

رفض الحافي لم يكن غرورًا، بل كان ارتباطًا عضويًا بالكرة. قدماه لم تعرفا وسيطًا بينها وبين الجلد أو القماش. هذا الرفض كلفه مسيرة احترافية، لكنه منحه لقب “الحافي” الخالد. عاد إلى مملكته. إلى الشوارع التي عشقته. وهناك، أصبح ملكًا متوجًا. كان يتقاضى 10 جنيهات في المباراة الواحدة، وهو مبلغ، كما وثقت شبكة العربية في تقرير سابق، كان يفوق ما يتقاضاه نجوم القطبين في ذلك الوقت. لقد صنع مجده الخاص، بعيدًا عن الأضواء الكاشفة، لكن في قلوب الجماهير الحقيقية.

لم يكن يلعب مع الهواة فقط. لقد زامل وجاور عمالقة الكرة المصرية في بداياتهم. حسن شحاتة، فاروق جعفر، مصطفى يونس، إبراهيم يوسف. أسماء صنعت تاريخًا في الملاعب الرسمية، لكنها شهدت جميعها أن الحافي كان شيئًا آخر. كان أسطورة حقيقية، كما وصفه جمال سالم نجم المقاولون السابق: “الناس كانت تنتظره في أي مكان يذهب إليه. هو أسطورة هذه اللعبة داخل مصر”.

مهرجان في شارع النصوح.. وداع يليق بالملك

الموهبة الاستثنائية تستحق نهاية استثنائية. وفي عام 1986، شهد شارع النصوح بإمبابة حدثًا فريدًا. لأول مرة في التاريخ، تقام مباراة اعتزال للاعب كرة شراب. لم تكن مجرد مباراة، بل كانت مهرجانًا شعبيًا. حضر نجوم كبار مثل أحمد شوبير، إسماعيل يوسف، زكريا ناصف، ومصطفى عبده. جاؤوا جميعًا لتكريم الرجل الذي ألهمهم وبهرهم في الحواري، في حدث تاريخي وثقه الكاتب الصحفي ياسر أيوب في مقال له بالمصري اليوم. كان وداعًا يليق بملك الشارع.

لكن الحياة بعد الكرة كانت قاسية. بعد سنوات من إمتاع الملايين، بدأت الأزمات الصحية. جلطة دماغية أثرت على حركته، ثم زحف عليه مرض ألزهايمر. عاش وحيدًا بعد وفاة شقيقته التي كانت كل عالمه. انتقل ليعيش مع ابن شقيقته، لكن حالته الصحية تدهورت، لينتهي به المطاف في دار لرعاية المسنين بالمهندسين.

حتى في أيامه الأخيرة، لم تفارقه الكرة. في غرفته الصغيرة، وضع كل ميدالياته وجوائزه بجوار سريره. كانت ذكرياته ورفاقه. كان يتابع كل المباريات على شاشة التلفزيون، يعيش اللعبة التي عشقها حتى الرمق الأخير. وبعد خمسة أشهر فقط في الدار، رحل الحافي عن عالمنا في مارس 2022. رحل الرجل، وبقيت أسطورته. قصة عن الموهبة الخام التي لا تقبل الترويض، وعن لاعب فضّل حرية الشارع على قيود الاحتراف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *