سر النسيان المؤلم.. دراسة تكشف عن انهيار ‘شبكات’ الدماغ في مرضى ألزهايمر
لماذا ينسى مريض ألزهايمر أحباءه؟ العلم يكشف عن سبب محتمل قد يغير مسار العلاج.

إنه السؤال الأكثر إيلامًا الذي يواجه عائلات مرضى ألزهايمر: لماذا لم يعد يتذكرني؟ دراسة حديثة تقدم إجابة محتملة، لا تكمن في الذكريات نفسها، بل في الهياكل الدقيقة التي تحميها. يبدو أن العلم يقترب خطوة أخرى من فك شفرة هذا المرض القاسي.
انهيار صامت
توصل باحثون إلى أن انهيار ما يُعرف بـ «الشبكات العصبية المحيطة» (PNNs)، وهي هياكل تشبه السقالات الدقيقة حول الخلايا العصبية، قد يكون السبب المباشر وراء فقدان الذاكرة طويلة الأمد. هذه الشبكات لا تحمي الخلية فحسب، بل تلعب دورًا حاسمًا في تثبيت الذكريات القديمة والراسخة، كتلك التي تربطنا بأفراد عائلتنا. ببساطة، عندما تنهار هذه الشبكات، تصبح الذكريات الثمينة بلا حماية، وعُرضة للضياع.
آلية الفقدان
بحسب محللين في مجال الأعصاب، فإن هذا الاكتشاف يغير جزئيًا من فهمنا للمرض. فبينما كان التركيز منصبًا على تراكم لويحات الأميلويد وبروتينات تاو داخل الدماغ، تشير هذه الدراسة إلى وجود لاعب آخر في ساحة المعركة. يُعتقد أن الالتهاب المزمن المصاحب لألزهايمر يطلق إنزيمات تهاجم هذه الشبكات الواقية وتفككها، وهو ما يفسر لماذا تبدأ الذكريات الأقدم والأكثر رسوخًا في التلاشي في المراحل المتقدمة. وهنا تكمن المأساة الحقيقية، في فقدان الهوية المتصلة بالآخرين.
أفق علاجي
هذا الفهم الجديد يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية مبتكرة. فبدلاً من استهداف لويحات الأميلويد فقط، وهو ما حقق نجاحًا محدودًا حتى الآن، قد يتمكن العلماء من تطوير أدوية تهدف إلى حماية هذه الشبكات أو حتى إعادة بنائها. يقول الدكتور أحمد شوقي، استشاري أمراض المخ والأعصاب (اسم افتراضي لغرض التحليل): «إذا تمكنا من إيقاف هذا الانهيار الهيكلي، فقد نتمكن من الحفاظ على الذكريات الأساسية للمريض لفترة أطول». إنه بصيص أمل في نفق طويل.
تأثير إنساني
بعيدًا عن المختبرات، يمس هذا البحث وترًا حساسًا لدى ملايين الأسر حول العالم. إن فقدان القدرة على التعرف على شريك الحياة أو الأبناء ليس مجرد عرض مرضي، بل هو تفكك للروابط الإنسانية التي تشكل جوهر وجودنا. إن فهم الأساس البيولوجي لهذه الظاهرة قد لا يعيد الذكريات المفقودة، لكنه يمنح العائلات تفسيرًا علميًا، ويمنح المجتمع الطبي هدفًا جديدًا للعمل من أجله.
في المحصلة، لا يقدم هذا البحث علاجًا فوريًا، ولكنه يقدم رؤية أعمق وأكثر تكاملاً لمرض ألزهايمر. إنه يذكرنا بأن الدماغ ليس مجرد خلايا ووصلات، بل هو نسيج معقد من الهياكل الداعمة التي تحفظ تاريخنا الشخصي. والحفاظ على هذا النسيج قد يكون المفتاح لمواجهة «لص الذاكرة» الذي يسرق أغلى ما نملك.








