سباق الذكاء الاصطناعي يشعل مقصورة القيادة.. هل تتحول السيارات إلى شركاء رقميين؟
عمالقة صناعة السيارات من فورد إلى مرسيدس يراهنون على "الرفيق الرقمي" لتغيير مستقبل القيادة، وسط تساؤلات حول الخصوصية.

في سباق يعيد تعريف العلاقة بين السائق والمركبة، يسرّع عمالقة صناعة السيارات عالميًا وتيرة دمج أنظمة الذكاء الاصطناعي في السيارات. لم يعد الهدف يقتصر على تنفيذ الأوامر الصوتية، بل يتجه نحو خلق “رفيق رقمي” قادر على المحادثة والتعلم والتفاعل، ليحول مقصورة القيادة إلى مساحة ذكية تستجيب لاحتياجات قائدها وتفضيلاته.
تحول استراتيجي في صناعة السيارات
تجاوزت أنظمة الذكاء الاصطناعي في السيارات دورها التقليدي المحدود بالتحكم في الملاحة أو تشغيل الوسائط. اليوم، تعكس هذه التقنيات تحولًا استراتيجيًا في صميم نموذج العمل بالقطاع. هذه الرؤية لخصها الرئيس التنفيذي لشركة فورد، جيم فارلي، بتأكيده أن كل عميل “يجب أن يمتلك مساعدًا ذكيًا في سيارته”، وهو تصريح لا يمثل شعارًا تسويقيًا فحسب، بل يعكس قناعة بأن تجربة المستخدم الرقمية أصبحت ساحة التنافس الرئيسية.
يرى محللون أن هذا التوجه مدفوع برغبة الشركات في خلق مصادر إيرادات جديدة تتجاوز بيع المركبات نفسها. وفي هذا السياق، يقول الخبير في تكنولوجيا السيارات، كريم حمدي، لـ “نيل نيوز”: “مقصورة السيارة هي الحدود الجديدة لتحقيق الدخل الرقمي. لم تعد الشركات تبيع مجرد وسيلة نقل، بل تبيع تجربة رقمية متكاملة، والذكاء الاصطناعي هو محرك هذه التجربة”.
من مرسيدس إلى MINI.. رؤى متنافسة
تتجسد هذه المنافسة في مبادرات كبرى، حيث طورت مرسيدس نظام MBUX Virtual Assistant الذي يعتمد على نماذج لغوية متقدمة مثل ChatGPT وGoogle Gemini لتقديم تفاعل أكثر ثراءً وطبيعية. في المقابل، قدمت شركة MINI شخصية افتراضية على هيئة كلب يُدعى “Spike”، في محاولة لإضفاء طابع إنساني على التكنولوجيا وبناء رابط عاطفي مع السائق.
ولم تقتصر المنافسة على صانعي السيارات التقليديين، إذ دخل عمالقة التكنولوجيا مثل أمازون بقوة عبر مساعدها Alexa+، الذي يوصف بأنه “الأكثر ذكاءً وتفاعلاً”، مما يؤكد أن المعركة القادمة ستكون حول من يسيطر على النظام البيئي الرقمي داخل السيارة.
المعضلة الكبرى: بين الراحة والخصوصية
رغم أن هذه الأنظمة تقدم مستويات غير مسبوقة من الراحة والتخصيص، مثل إيجاد محطات الوقود أو التحكم بالإعدادات دون عناء، فإنها تثير في الوقت ذاته تساؤلات جوهرية حول خصوصية البيانات والأمان الرقمي. فكلما زادت قدرة المساعد الذكي على التعلم من سلوكيات السائق، زادت كمية البيانات الشخصية التي يجمعها ويحللها.
هذا التطور يحول السيارة من فضاء خاص إلى عقدة ضمن شبكة واسعة لجمع البيانات، وهو ما يثير قلق المدافعين عن الحقوق الرقمية. فالسؤال الذي يطرحه مراقبون ليس فقط حول مدى فائدة هذه التقنيات، بل حول الثمن الذي يدفعه المستخدمون من بياناتهم الشخصية مقابل الحصول على تجربة قيادة أكثر سلاسة.
في المحصلة، يمثل دمج الذكاء الاصطناعي في السيارات أكثر من مجرد قفزة تكنولوجية؛ إنه يعكس إعادة تعريف جذرية لدور المركبة في حياتنا، من كونها وسيلة نقل إلى شريك نشط يعتمد على البيانات. وسيتوقف نجاح هذا التحول ليس فقط على البراعة التقنية، بل على قدرة الشركات المصنعة على بناء الثقة والتعامل مع المشهد الأخلاقي المعقد لعالم يزداد ترابطًا يومًا بعد يوم.








